«السيسى» فى مهمة انتحارية

مصطفى بكري

نشر في: آخر تحديث:

فى التاسع والعشرين من أكتوبر 2013، كانت الشئون المعنوية للقوات المسلحة قد أعدت احتفالاً فى نادى الجلاء بمناسبة الذكرى الأربعين لانتصار أكتوبر بالاشتراك مع جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.. قبيل الحفل بقليل دعتنى المراسم العسكرية إلى صالون القائد العام للقوات المسلحة «الفريق أول عبدالفتاح السيسى» فى ذلك الوقت، كان الحاضرون هم القائد العام ورئيس الأركان الفريق صدقى صبحى وقادة الأفرع الرئيسية ووزير التربية والتعليم فى ذلك الوقت د. محمود أبوالنصر والدكتور أحمد زكى بدر قبل أن يتولى حقيبة التنمية المحلية.

يومها دار الحديث حول الأوضاع الراهنة فى مصر والتحديات المفروضة على البلاد، وفى هذا اللقاء سألت القائد العام: لماذا لا يستجيب للمطالب الشعبية التى تطالب بترشحه لمنصب رئيس الجمهورية؟ رد علىّ بأن الوضع صعب للغاية، تراكمات الماضى ستعرقل أى خطوات للتقدم السريع.. ثم قال: هل تعرف أن الموازنة العامة لمصر لا تساوى ولا تكفى 1/10 من احتياجات الشعب المصرى، ثم لا تنسَ الأوضاع التى يعيشها الناس وحاجتهم إلى النهوض السريع، كما أن مؤسسات الدولة تحتاج إلى البناء، هناك أشياء كثيرة قد تفككت.. كان القائد العام يتحدث حديث العالم ببواطن الأمور، كان يرى الأوضاع مخيفة، وحالة الانفلات ستظل لفترة من الوقت، وكان يعرف أن إمكانات الدولة الراهنة لا تساعد على سد حاجة المواطنين، وأن الأزمة الاقتصادية الطاحنة تزيد من تفاقم الأوضاع الاجتماعية وتدنى مستوى المعيشة بالبلاد.

كان «السيسى» يدرك خطورة إقدامه على خطوة الترشح، فالمهمة صعبة، والأوضاع معقدة، والشعب لن ينتظر طويلاً، وسوف يتردد فى قبول الإصلاحات الاقتصادية المُرة لكن حاجة الجماهير إلى القائد المنتصر الذى أنقذ مصر من مغبة السقوط والتفكك وطمس الهوية تزايدت، والأصوات تعالت، والأمة توحدت من حوله، وراحت تطالبه، بل تستدعيه إلى الميدان.

وعندما اتخذ السيسى القرار بعد إلحاح، قال كلمته المشهورة «أنا لن أتحمل المسئولية وحدى.. أنتم شركاء معى»، وارتضى الناس وخرجوا فى الشوارع مرحبين، رافعين صور الفارس المنتظر.

وفى 26 مارس 2014، ألقى السيسى خطاب الترشح بالملابس العسكرية بعد أن وافق المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى حضور الرئيس المؤقت عدلى منصور على مطلب الجماهير بترشح السيسى، وفى خطابه تحدث بالقول «إنه لدينا كمصريين مهمة شديدة الصعوبة وثقيلة التكاليف»، متطرقاً فى خطابه إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية التى تواجه مصر، وحدد السيسى مهام «عسيرة» أمام المصريين منها العمل على عودة عجلة الإنتاج للدوران بكل قوة لإنقاذ الوطن من مخاطر حقيقية واستعادة سيادة الدولة وهيبتها وبناء جهاز الدولة الذى يعانى من حالة ترهل تمنعه من النهوض بواجباته.

فى ذلك الوقت سادت روح التفاؤل لدى المصريين، فقد جاء المنقذ الذى سيبعث فيهم الأمل من جديد بعد سنوات عجاف ساد فيها الفساد والفوضى والانقسام، خرجت الجماهير إلى الشوارع والميادين تحتفل بالقرار الذى جاء بعد فترة تأمل طويلة.

ومنذ نحو شهرين احتفل الرئيس بذكرى مرور عامين على توليه السلطة بافتتاح عشرات المشروعات الكبرى، تحدث عن التحديات التى تواجه البلاد، والأزمات التى تحاصرها، لكنه كان متفائلاً بأن المقبل أفضل، قيمة هذه المشروعات أكثر من 1300 مليار جنيه، من بينها فقط 400 مليار جنيه تم استثمارها فى الكهرباء منهياً بذلك واحدة من أعتى المشاكل والأزمات التى كانت تؤرق المصريين بشكل مستمر.

ومع الإنجازات والمشروعات القومية الكبرى التى تحققت، والنجاح فى إعادة بناء العديد من مؤسسات الدولة ووضع مصر مجدداً على خريطة العالم، واتباع سياسة خارجية متوازنة، وإعادة تسليح الجيش المصرى وتدريبه، وخوض معركة عاتية ضد الإرهاب، كان السيسى يتوقع المزيد من التفاف الصف الوطنى من حوله، غير أن هناك من راح يسعى إلى التشكيك فى كل شىء..

وعادت الحملات الممنهجة تعيد إنتاج خطابها من جديد، بالتركيز على القضايا الحياتية للمواطنين، واستغلال الأزمة الاقتصادية التى انعكست على الأحوال الاجتماعية، فبدأت موجات من الرفض والسخط لا يمكن إنكارها، كما أن ممارسات بعض المسئولين وتفشى الفساد فى العديد من المؤسسات رغم كل الإجراءات المتخذة؛ كل ذلك تسبب فى زيادة حدة الغضب الجماهيرى.

لقد قال السيسى أكثر من مرة إن إجراءات الإصلاح الاقتصادى التى يتخذها قد تتسبب فى تراجع شعبيته، لكنه كما قال لجأ إليها لأنه لم يكن أمامه خيار آخر، الديون تصل للمرة الأولى إلى نسبة 97٪ من الناتج المحلى وبما قيمته 2.3 تريليون جنيه ندفع عنها فوائد قد تصل إلى 250 مليون جنيه سنوياً للدين الحكومى وزيادة فى الرواتب وصلت إلى نحو 150 مليار جنيه.

فى الفترة من 2011 إلى 2016، المساعدات الخليجية تكاد تكون قد توقفت بعد أن قدم الأشقاء أكثر من 25 مليار دولار فى أعقاب ثورة الثلاثين من يونيو، السياحة تراجعت، تحويلات المصريين انخفضت، الصادرات لم تزد على 23 مليار دولار فى حين أن الواردات وصلت إلى 75 مليار دولار.. وهلم جرا، باختصار نحن أمام حصار اقتصادى غير معلن، وأمام تراكمات أوضاع اقتصادية صعبة لا فكاك منها بسهولة.. فماذا يفعل السيسى؟!

لقد كان أمامه أحد خيارين: إما المواجهة، وإما المسكنات، طريق مواجهة الأزمة الاقتصادية الطاحنة ليس سهلاً، فهو يستوجب إجراءات اقتصادية صعبة، على رأسها روشتة صندوق النقد الدولى، وما أدراك ما صندوق النقد، غير أن هذا الطريق هو أقرب إلى المغامرة فى بلد تتزايد فيه نسبة الفقر والفقراء، تلك الطبقة التى تحملت الكثير على كاهلها، ولم تعد قادرة، ونفس الوضع بالنسبة للطبقة المتوسطة «رمانة الميزان» فى أى مجتمع، حتى هذه الطبقة تدبر أمورها الحياتية بالكاد، غير أن هذا الطريق ينكأ الجراح ويمنح الدواء المر لتخفيف العجز عن الموازنة العامة وإصلاح هيكلية الاقتصاد، لكن آثاره الاجتماعية غير محمودة العواقب على السلطة وعلى المجتمع فى الأجل المنظور.

أما الطريق الثانى.. طريق المسكنات والمنح المؤقتة، فهو طريق سهل، يقوم على إسكات الأصوات وكسب ودهم، ويعيش معهم بمنطق المثل القائل «عيّشنى النهارده»، وهذا طريق يكسب الرئيس شعبية مؤقتة، لكنه يسلم البلد خرابة ويدفعها إلى الإفلاس ويتسبب فى أزمات ومشكلات لا حصر لها، وعلى سبيل المثال كان بإمكان الرئيس تأجيل حل مشكلة الكهرباء وتوزيع مبلغ الـ400 مليار جنيه التى تم صرفها على إصلاح وصيانة المحطات القديمة وإقامة محطات جديدة على المواطنين فى صورة منح وهبات، غير أنه تعامل مع الأمر بشكل مختلف، وقرر التحرك لحساب المستقبل حتى لا تسقط مصر فى أتون أزمة قد تؤدى إلى فوضى عارمة تعرض الدولة ووجودها للخطر.

يعرف السيسى أن هناك حالة غضب فى الشارع ويدرك أن تداعيات الأزمة الاقتصادية الراهنة وغلاء الأسعار ستكون سبباً فى تراجع شعبيته ولو بشكل مؤقت، وهو يضع نظامه كله على المحك، خاصة أن محاولات التحريض الداخلية والخارجية لم تتوقف، يعرف أنه فى مهمة انتحارية، وأن الفقراء والمعدمين والطبقة الوسطى لو خرجوا إلى الشارع هذه المرة، فلن يعودوا، لقد قال ذلك هو نفسه أكثر من مرة، ولكنه يراهن على وعى المصريين والمخاطر المحدقة بهم، يراهن على هؤلاء الذين أدركوا حقيقة المخطط، وعرفوا أن علاج الداء هو التحدى الحقيقى لضمان بقاء الدولة وعدم تعرضها للإفلاس ومن ثم للانهيار والسقوط.

قد يظن البعض أن السيسى غافل عن أوجاع الناس وصرخاتهم، أو أن التقارير التى تقدم له تقول إن الناس تتقبل آثار الإصلاحات الاقتصادية عن طيب خاطر، بالقطع لا، فالرجل يعرف كل كبيرة وصغيرة، يقف حائراً أمام الحصار الاقتصادى المفروض على مصر والمؤامرات التى تحاك ضدها، لذلك قرر المغامرة فى مهمة انتحارية.. فهل ينجح؟!

*نقلاً عن "الوطن" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.