.
.
.
.

التفوق الدراسى ونهضة الوطن!

مصطفى الفقي

نشر في: آخر تحديث:

يلح على خاطرى فى السنوات الأخيرة هاجس متكرر كلما سمعت عن نتائج الثانوية العامة وغيرها من الشهادات بحيث نجد العشرات من الحاصلين على مائة فى المائة أو ما يقترب منها بل ويزيد عليها أحيانًا عند إضافة درجات لمواد التخصص!، ومع تزايد هذه المعدلات الرقمية ذات الدلالة الكمية فقط والتى لا تعبر عن نقلة نوعية حقيقية نكتشف فى ذات الوقت تراجع العملية التعليمية وانخفاض مستوى الخريجين والخريجات فى مختلف الشهادات وعلى كافة المستويات، فالكر والفر بين صفحات المقررات الدراسية لا يعبر عن تميز دراسى أو تفوق علمى بل هو يعنى فى أغلب الأحوال رغبة الطلاب فى مستقبل فردى أفضل دون أن يقترن ذلك بالضرورة بإنجاز إضافى للوطن، فليس كل من تفوق دراسيًا أصبح (أحمد زويل) وليس كل من حاز درجات عالية وحصل على شهادة معينة هو إضافة إيجابية للوطن ومستقبله، وفى كل عام تثور ظاهرة الثانوية العامة وتتصدر الصفحات الأولى للصحف ردود فعل الطلاب تجاه الامتحانات ـــ مادة مادة ـــ فى تعاطف ملموس مع أولياء الأمور إلى جانب انفعالات وانتقادات لا تخلو من المبالغة بل تحفل بعناصر الإثارة وأسباب التوتر، وأنا أرى أن معدلات ارتفاع المجاميع الدراسية يكون غالبًا هو المؤشر لتراجع التعليم وهبوط مستوى الدارسين وليس العكس، ولعلى أوضح ما أريد أن أصل إليه من خلال النقاط التالية:

أولًا: لم يقترن التفوق فى مراحل الدراسة المختلفة بتفوق مماثل فى الحياة العملية، فما أكثر أوائل الشهادات العامة ممن تاهوا فى صحراء الحياة أو ذابوا فى بحار الوظيفة، وليس يعنى ذلك أن التفوق شىء مقيت أو علامة سلبية ولكن المؤكد أنه لا يمكن القياس به للحديث عن نهوض التعليم أو ارتقاء مستوى المدارس فى وقت فقدت فيه مصر عنصرًا من أهم عناصر التميز وعاملًا من أهم عوامل القوى الناعمة وأعنى به التعليم المصرى الذى كنا نباهى به ونفاخر ونتحدث عن تأثيره فى العالمين العربى والإسلامى وبين أشقائنا فى القارة الإفريقية، لقد هبطت سمعة التعليم المصرى إلى الدرك الأسفل وشب الصغار حولنا عن الطوق وانحسرت بعثاتنا التعليمية فى الخارج وانكمشت أعداد الراغبين فى الالتحاق بجامعاتنا ومدارسنا من الدول الشقيقة والصديقة وأصبحنا أمام مؤشر خطير لتراجع مشروع النهضة الذى كنا نحلم به عبر العقود الأخيرة، واللافت للنظر أن تراجع دورنا الإقليمى ارتبط دائمًا بتراجع مستوى التعليم المصرى الذى كان يمثل أكبر ركيزة للقوى الناعمة المصرية فى محيطها الإقليمى بل والدولي، وعندما انخفضت نسبة المبعوثين منا وأعداد المبعوثين إلينا وضعنا أيدينا على مكمن الخطر بعد أن أدركنا مبعث القلق.

ثانيًا: إن كل الوصفات العصرية للمشروعات النهضوية تبدأ دائمًا بالتعليم أو تدور حوله، وليت هؤلاء المتفوقين كرًا وفرًا بين صفحات المقررات الدراسية يضيفون اكتشافًا بسيطًا أو اختراعًا جديدًا، بل إننى أزعم ــــ وقد أكون ظالمًا ــــ أن النتيجة العالية قد ترتبط بنوع من الأمية الفكرية والثقافية التى تحرم صاحبها من الرؤية المتوقعة، وبالمناسبة فإننى لا ألقى باللائمة على وزراء التعليم الأساسى أو العالى فى بلادنا وفى ظنى أن معظمهم بذل جهدًا خالصًا بنية صادقة ولكن جوهر اهتماماتهم انصرف إلى ترديد الأرقام العالية والاهتمام بالمسائل الكمية دون الغوص فى فلسفة النظام التعليمى المصرى وأسلوب إقالته من عثرته، والتعليم هو مرآة الأمم ترى فيه وجه المستقبل ورؤية الغد القادم لأن التعليم هو صانع الإرادة الوطنية والرؤية العلمية فى وقت واحد، إنه منظار العصر الذى ترى من خلاله الشعوب مستقبل أجيالها القادمة.

ثالثًا: إن مصر صاحبة أول حضارة ملهمة فى التاريخ القديم، وهى دولة اعتنت تاريخيًا بالتعليم، فالدولة المصرية الحديثة قامت على أكتاف المنظومة التعليمية التى أسس لها ( محمد على) بإيفاده البعثات إلى أوروبا ثم عودة قوافل التنوير يتقدمها أزهرى بقيمة ومكانة (رفاعة الطهطاوى) ولذلك فإن مقومات الدولة المصرية استندت فى بداياتها إلى تميز مصر بالتعليم والثقافة بل وكل أدوات التنوير العصرى كما تحتاجها شعوب المنطقة، فأبناء مصر هم الذين علموا وبنوا وطببوا يوم أن كانت لديهم منظومة تعليمية يتطلع إليها كل من حولها حتى الملوك الشباب وأولياء العهود كانوا يقصدون مصر طلبًا لما هو موجود فيها وليس لدى غيرها.

رابعًا: إن مسيرة التنمية تحتاج إلى كوادر تختلف عما تقذف به الجامعات كل عام من أعداد هائلة لحملة الشهادات بلا مضمون أو جوهر، فالعملية التنموية تحتاج إلى تعليم مختلف يقوم على التدريب المهنى والمهارة الحرفية، فمصر ليست بحاجة إلى مئات من شهادات الدكتوراه والماجستير التى يزين بها أصحابها صالونات منازلهم بلا جدوى أو معني، فالأهم من ذلك كله أن يوجد الشاب أو الفتاة المؤهلين لروح العصر وتقاليده العلمية الجديدة والرغبة فى البحث الجاد.

خامسًا: إن نموذج أحمد زويل ــــ رحمه الله ـــ يجب أن يكون قدوة لأجيالنا الصاعدة فى الربط بين التفوق العلمى والتميز العملي، وأنا لا أتصور أن كل طالب سوف يصبح (زويلاً) جديدًا ولكن أريده أن يدرك أنه لا توجد علاقة شرطية بين النتائج الدراسية والإسهامات العصرية فى العلم والأدب والفن الذى يشكل مجموعهم قاعدة ثفافية تعكس روح العصر بصدق ووضوح.

هذه كلمات من القلب للحاصلين على المجاميع العالية فى (الأوكازيون) السنوى للثانوية العامة وغيرها من الشهادات، فالمهم هو الكيف لا الكم، المهم هو النقلة النوعية وليس الالتحاق بالكلية!.

* نقلا عن "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.