.
.
.
.

الجهاز المركزي... أطفال «البدون» والاميركيون

فوزية سالم الصباح

نشر في: آخر تحديث:

لقد آلمني ما شاهدته في الصين هذا العام... ففي الفندق الذي نزلت فيه، استوقفني منظر إنساني عظيم لم أره في حياتي ولم أتوقعه، ففي المصعد شاهدت زوجاً وزوجة، وأولادهما من الجنسية الأميركية، يحملان طفلاً صينياً معوقاً، قاما بتبنيه للتو. في الحقيقة توقعت انه مجرد تصرف فردي، لكنني اندهشت عندما وصلت إلى المطعم لتناول الافطار، حيث شاهدت كل عائلة أميركية موجودة، قد تبنت طفلاً معاقاً، وكان أولاد تلك العائلات سعداء بهؤلاء الأطفال المعاقين.

كنت أتناول الافطار وانظر حولي من هنا وهناك... فهذه العائلة الاميركية تحمل طفلاً صينياً أبكم، وأفرادها في غاية الفرحة حيث يحاولون تعليمه لغة الاشارات. وعائلة أخرى تحمل طفلاً مقطوعة يده، وعائلة تحمل طفلاً مقطوعة أذنه... شعرت بالاحترام لهذه العائلات التي تذهب الى أقصى العالم بحثاً عن طفل معوق حتى تتبناه وترسم له مستقبلاً باهراً، وتنتشله من الضياع إلى الأمل.

هذه المشاهدات قادتني الى كيفية تعامل الجهاز المركزي مع أطفال «البدون»! فالطفل «البدون» يولد وأمامه الأمل والمستقبل، لكن هناك من يأتي ويدمر مستقبله ويحرمه من ابسط حقوقه الإنسانية. فالله سبحانه وتعالى خلق هؤلاء الاطفال، والجهاز المركزي يحكم عليهم بالإعدام مدنياً من أول ثانية يستنشقون فيها الحياة التي وهبها لهم الرب. ليس مهما لدى الجهاز ضياع مستقبل الآلاف من أطفال «البدون» ومدى شرعية إجراءاته أو قانونيتها أو أن بعض هؤلاء الاطفال سيصبحون مواطنين في المستقبل، فالمهم لديه استعمال اقصى وسائل الضغط على أسرته من أجل اجبارهم على مغادرة البلاد التي عاشوا فيها أجيالاً بعد اجيال او اجبارهم على استخراج اي جوازات حتى لو كانت مزورة. فالمهم في سياسة الجهاز تقليص اعداد البدون بكل الوسائل من دون النظر إلى اي اعتبارات أخرى.

دعوني أوضح مثالين للقارئ حتى يعلم الجميع سياسة هذا الجهاز، فقد تمكنا من اصدار حكم نهائي بإلزام الجهاز المركزي، بفتح ملف واستخراج بطاقة لفتاة «بدون»... اضطررنا الى تقديم بلاغ في النيابة ضد رئيس الجهاز بتهمة عدم تنفيذ حكم، وأثناء التحقيق اضطر الى تنفيذ الحكم وتم فتح ملف لها ومنحت بطاقة مراجعة.

وبما أن لدينا دستوراً متطوراً ومحترماً منحنا الحق باللجوء إلى القضاء. وبما ان القانون ينص على ان كل فرد يعيش على أرض الكويت يجب أن يحصل على رقم مدني وبطاقة مدنية، من هذا المنطلق رفعنا للفتاة «البدون» دعوى بإلزام الهيئة العامة للمعلومات المدنية باستخراج بطاقة مدنية، على اساس اننا في بلد يحكمه دستور وقوانين واللجوء الى القضاء حق لكل انسان، الا ان الفتاة فوجئت برئيس الجهاز يصدر اوامره بسحب بطاقتها التي استصدرتها بناء على حكم قضائي باسم امير البلاد، حفظه الله، مشترطا تجديد بطاقتها التي استحصلت عليها بحكم قضائي بتنازلها عن دعواها ضد البطاقة المدنية. وفي الحقيقة كان بامكاننا ان نرد على الجهاز وبقوة، لكننا وجدنا أن الفتاة «البدون» في رعب شديد بعد خروجها من مكتب رئيس الجهاز، وفي النهاية شطبنا القضية على أمل ان يعيد لها بطاقتها التي حصلت عليها بحكم قضائي.

أما الحادثة الثانية، فحدثت بعد الأولى بشهر... فقد حصلنا على حكم نهائي بإلزام رئيس الجهاز بفتح ملف لفرد من فئة «البدون» ومنحه بطاقة مراجعة، لكن الجهاز كالعادة رفض تنفيذ الحكم، فاضطررنا لتقديم بلاغ في النيابة بتهمة عدم تنفيذ حكم، وفوجئنا بالجهاز يكرر الحركة نفسها معنا، حيث رفض تجديد بطاقات اشقاء صاحب الشكوى وأوقف كل معاملاتهم بهدف الضغط عليه لسحب شكواه من النيابة. وهنا أيقنت أن الجهاز لا يرغب في تنفيذ هذه الأحكام، حيث كان من المفترض به كجهاز حكومي أن يحترم الدستور والقوانين والمحلية والدولية وأحكام القضاء الصادرة باسم سمو أمير البلاد، حفظه الله... تصوروا جهاز حكومي يتعامل بهذه الاساليب والطرق غير القانونية وكأنه لا يوجد دستور يحكم البلاد.

نحن كبلد صغير، كل الدول تحترمنا، لأن لدينا دستوراً رائعاً سابقاً على عصره، وديموقراطية قد تكون الأفضل في العالم العربي.

لذا أرفض هذه الممارسات المسيئة لأنني أدافع عن سمعة بلدي وديموقراطيته، في المحافل المحلية والدولية.

* نقلا عن "الراي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.