متى يتوقف المواطنون عن السفه؟

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

إذا كنا نطالب الحكومة طوال الوقت بالتقشف وترشيد الإنفاق فى جميع المجالات ومحاربة الفساد والإهمال بلا هوادة، فإن المواطنين مطالبون بالتقشف أيضا.

المشهد الذى لا أنساه فى قريتى بمحافظة أسيوط، هو أن رجلا أو شابا يمسك بخرطوم مياه ويقوم بالرش أمام بيته والبيوت المجاورة بعد العصر وقبل المغرب طوال أيام الصيف وربما الربيع والخريف.

هذا المشهد أراه منذ كنت طفلا، وحتى هذه الأيام حينما أعود للقرية فى الأعياد والمناسبات. فى الماضى كان يمكن تفسير ذلك بأننا لا نعانى مشكلة فى المياه.

الآن وبعد بدء إثيوبيا فى بناء سد النهضة وسدود أخرى والمخاوف من نقص محتمل فى حصتنا من مياه النيل، لم يعد مقبولا أن تستمر نفس السلوكيات.

الإعلانات التليفزيونية والمناشدات الحكومية والفتاوى الدينية لم تستطع حتى الآن أن تقنع الناس فى الأرياف والمناطق الشعبية بالتوقف عن هذه العادة المذمومة.

فما الذى سيجعل الناس تتوقف عن ذلك؟!.

ربما حينما يتسلمون فاتورة المياه فى المرحلة المقبلة ويجدونها قد ارتفعت، سيفكرون فى تغيير هذا النمط، وبدء الإحساس بأن نعانى من مشكلة حقيقية ولا يمكن أن نلقى المياه العذبة الصالحة للشرب فى الشوارع بمثل هذا السفه.

سيقول قائل: وهل تستكثر على مواطن أن يرش أمام منزله طلبا لبعض «الطراوة» فى الأيام شديدة الحرارة، وتترك الغنى جدا يهدر مياها أكثر فى حمام سباحة داخل قصره، أو فى منتجعاته أو ملاعب الجولف؟!

الإجابة ببساطة هى: لا. علينا أن نحاسب الجميع، بالقانون وبالشرائح طبقا للاستهلاك، وأن تكون المحاسبة بأقصى درجات الشدة والحزم مع الجميع خصوصا الأغنياء، لأنه مال عام.

إذا كنا نطالب الحكومة بالتقشف، فعلينا أن نقول للمواطنين أن ما كان يمكن التسامح بشأنه فى الأيام الماضية، لم يعد جائزا الآن، لأننا مقبلون على أيام شديدة الصعوبة فى كل المجالات.

ما ينطبق على المياه ينطبق على الكهرباء، والطريقة المصرية الشهيرة فى السفه يصعب استمرارها فى معظم بيوتنا، حيث نترك معظم «لمبات» المنزل مفتوحة ليل نهار، مثلما تفعل الحكومة مع «لمبات» الشوارع!.

لاتزال بعض ثقافات المصريين فى الأكل كارثية، ومثال ذلك ما يحدث فى شهر رمضان من كميات مهولة من الطعام، يتم إلقاء معظمها فى القمامة أحيانا. لم يتعود معظمنا حتى الآن على ثقافة أن يشترى ما يحتاجه فقط، وأن يطبخ ما يكفيه فقط.

سيقول البعض إن الفقراء لا يملكون شيئا لكى يقوموا بترشيده، لكن هذا الأمر يتعلق بالثقافة والتعود، وليس الغنى والفقر، ثقافة أن يذهب المواطن إلى السوق أو البقالة ليشترى حبة فاكهة واحدة مثلا وليس ثلاثة كيلو، وأن يكون البقال أو السوبر ماركت مهيئا لكى يلبى رغبة الزبون.

وقد يرى البعض كل ما سبق كلاما محلقا فى الخيال والرومانسية، وأن ظروف الناس صعبة جدا، ولا تتحمل مثل هذا الكلام غير الواقعى، لكن ولأننا نعيش أياما صعبة، ونتوقع أياما أكثر صعوبة، فإنه لا بديل عن بدء الجميع حالة من التقشف، من الحكومة إلى المواطن.

مادام المواطن يشكو كثيرا من فاتورة الكهرباء الملتهبة وكذلك الغاز والمياه، فعليه قبل أن يلوم الحكومة أن يكون متأكدا من أنه مقتصد فى الاستهلاك، ولا يترك هذه السلعة المهمة تهدر بمثل هذا القدر من السفه.

كثيرون بدأوا يقولون إن العدادات الكودية أدت إلى تخفيض الفاتورة، لأنهم يخشون طوال الوقت أن ينقطع التيار فجأة، ولذلك ربما كان مطلوبا التفكير فى تعميم هذه التجربة على الكثير من المجالات، حتى يبدأ الجميع فى تغيير أنماط حياتهم التى تعودوا عليها لعشرات السنين.

لكن مرة أخرى، لا يمكن أن نطالب المواطنين بالتقشف فى حين تستمر الحكومة فى هذا السفه، والإهدار للمال العام ليل نهار.. المسألة مترابطة ومتداخلة ولا يمكن الفصل بينهما.

* نقلا عن "الشروق"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط