.
.
.
.

ماذا تريد موسكو لحل المشاكل العالقة مع القاهرة ؟

سامى عمارة

نشر في: آخر تحديث:

قد يكون العنوان صادما. هل هناك بالفعل ما تريده موسكو من القاهرة ؟ هل هناك حقا من المشاكل ما تتحفظ العاصمتان إزاء الكشف عنه، وما قد يكون وراء تعثر العلاقات بين البلدين، ورفض موسكو الاستجابة لكل الجهود الرامية الى استئناف تشغيل خط «مصر للطيران»، ورفع الحظر عن السياحة الروسية؟

ما رصدناه لدى متابعة الازمة التى نشبت بين موسكو والرئيس التركى اردوغان، بما فى ذلك وقائع زيارته الاخيرة لسان بطرسبورج ومباحثاته مع نظيره الروسى فلاديمير بوتين يمكن ان يلقى بعض الضوء على ما قد يكون مفيدا للاهتداء به وتبنيه سبيلا صوب القرار المنشود. وفى اطار المعروف حول «انه ليست هناك صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، لان المصالح هى الدائمة»، تحولت القيادة التركية من التى «عاقبها الله بان سلبها العقل والمنطق»، حسبما نعتها الرئيس فلاديمير بوتين فى اعقاب إسقاط تركيا القاذفة الروسية فى نوفمبر الماضي، الى «الشريك الاستراتيجي» الذى يحرص على دعمه والتعاون معه، فى الوقت الذى حرص فيه اردوغان على مناداة بوتين بـ «صديقه العزيز فلاديمير» بعد اعتذار واضح وصريح.

ونبقى مع الشأن التركى لنميط اللثام عن كواليس «اعتذار اردوغان» نقلا عن مصادر تركية - روسية. فبعد اشهر طويلة من العداء السافر وحملات التلاسن شديدة الوطأة، و«خيبة أمل» الرئيس التركى فى علاقات بلاده مع «الاتحاد الاوروبي» و«الناتو»، عاد «الشريك الضال» الى محاولات خطب ود روسيا وزعيمها، من خلال رسالة الاعتذار الشهيرة فى يونيو الماضي. قالوا ايضا ان الجانب التركى استعان بدبلوماسيين من سفارة قزخستان ومترجمين روس محترفين فى انقرة، تحت اشراف المتحدث الرسمى باسم اردوغان. كشفوا عن انهم خلصوا بعد مشاورات طويلة مع اردوغان شخصيا حول «نص الخطاب»، الى ضرورة «الاعتذار المباشر». توقفوا فى نهاية المطاف عند كلمة «ازفينيتيه» الروسية، وتعنى بالعربية «اعتذر». وتلك كانت الحقيقة، بعيدا عما تردد حول ان اردوغان لم يعتذر، وانه فقط «اعرب عن اسفه»، على حد قول رئيس الوزراء التركى بن على يلدريم آنذاك. بل ومضى اردوغان الى ما هو ابعد بزيارته الى سان بطرسبورج تأكيدا لحاجته الى الشريك الروسي. ورغما عن عدم اثارة اى من الجانبين لخلافات الامس التى كانت استحكمت وتحولت الى «عداء مستعر» طول الاشهر الثمانية الماضية، فقد بدا واضحا ان الجانبين فى حاجة الى مثل هذه «المصالحة»، بغض النظر عن عدد من الشكليات.

كان بوتين مباشرا فى طرحه لمحاور اللقاء الذى اقتصر فى البداية على وزيرى خارجية البلدين ومساعدى الرئيسين. هنا شخصت الى صدارة جدول اعمال الرئيسين، القضايا المحورية فى علاقات البلدين والتى ادرجها بوتين تحت بند «القضايا الاقتصادية» والتى كانت المقدمة لحلول عاجلة لبقية القضايا «الثانوية»، ومنها استئناف حركة السياحة والطيران العارض «الشارتر» وتأشيرات العمالة التركية فى روسيا. وفى هذا الصدد اشاد الرئيس بوتين بنتائج زيارة الوفد الحكومى التركى لموسكو فى يوليو الماضي، فيما اعلن عن الملامح الرئيسية لخريطة الطريق صوب الحلول المثلى لإنعاش العلاقات، ومنها اجتماعات لجنة التخطيط الاستراتيجي، واللجنة الحكومية المشتركة فى خريف هذا العام.

اما عن القضايا المتعلقة بمحطة «اكويو» النووية، ومشروع «السيل التركي» والتى توقفت عندها مباحثات سان بطرسبورج، فقد استطاع بوتين انتزاع ما وصفه بـ «وضعية الاستثمارات الاجنبية» لكل من المشروعين، وهو ما قد يكون اشارة مناسبة الى ما يمكن التفكير فيه، للخروج من «النفق المظلم» الذى تواصل التعثر بين أركانه العلاقات المصرية الروسية لاكثر مما ينبغي، وما قد ينطبق على اتفاق «الضبعة النووية». وبهذه المناسبة ننقل ما تردد على استحياء فى موسكو حول انه كان من غير اللائق وغير المقبول ان يأتى «برلمانيون مصريون» لا علاقة لهم لا بالذرة ولا بالعلوم الطبيعية، للتفتيش على المنشآت النووية الروسية، بعد ان اصر المسئولون المصريون على إدراج «محطة كالينين» النووية فى برنامج زيارة «فى غير وقتها» لوفد مجلس النواب. ولكم كان من الغريب والمثير للدهشة، ان يخرج هؤلاء ليقولوا انهم راضون عن درجة الامان النووى للمحطة، بعد التأكد من «مستوى الإشعاعات» من خلال استقصاء لاراء السكان المحليين على مقربة من المحطة!. هل هكذا تعود السياحة؟. على ان ذلك كله لا يمكن ان ينال من حقيقة ان العلاقات المصرية الروسية، وما ارتبط به الرئيسان السيسى وبوتين من أواصر تتسم فى الكثير من جوانبها بالحميمية، لم تشهد يوما مثل التوتر الذى شهدته العلاقات مع انقرة، فضلا عن انتفاء الحاجة الى أى وساطات، أو أطراف ثالثة. يقينا .. يظل الامر فى حاجة الى مبادرة بالاتصال المباشر، والعودة الى ما سبق وعهدناه عن الصديقين من دورية فى الاتصالات والزيارات واللقاءات التى طالما عادت على البلدين بالكثير من المنفعة المتبادلة.

*نقلا عن صحيفة "الأهرام" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.