.
.
.
.

أين الخلل ؟

محمد حبيب

نشر في: آخر تحديث:

(١) كثيراً ما يكون الإنسان جانياً وضحية فى نفس الوقت.. فهو وإن كان يلعب دوراً فى الهدم والتخريب والتدمير بسبب خصائص أو دوافع شخصية؛ ذهنية أو نفسية أو عصبية أو أخلاقية، إلا أنه يكون ضحية مجموعة من العوامل جعلت منه جانياً، كأن يقع أسيراً لفكر مغلوط، أو يتبنى فهماً معوجاً، أو يتبع منهجاً تربوياً خاطئاً، أو يواجه مناخاً سيئاً ورديئاً.. إلخ. بالطبع سوف يختلف تقديرنا من حالة إلى أخرى، من حيث نسبة العوامل التى صنعت من هذا الفرد أو ذاك ضحية، إلى العوامل الشخصية والنفسية التى جعلته جانياً.. ففى حالة قد يكون تأثير الأولى أكبر، وفى حالة أخرى قد يكون تأثير الثانية أعظم.. وعادة ما تكون نكبتنا كبيرة إذا ما وقع خطأ أو خطيئة من إخوة لنا عايشناهم وعايشونا.. وتكون النكبة أكبر عندما يكون الخطأ أو الخطيئة فى حق شىء له قيمته الكبرى فى حياتنا، شىء أحببناه وعشقناه، وذقنا من أجله ألواناً شتى من المعاناة.. ومع ذلك، نحن لا نبرئ أنفسنا، فأحسب أننا رأينا من هؤلاء الإخوة ما يدل على أن ثمة أخطاراً كبيرة تلوح فى الأفق وسوف يكون لها أسوأ الآثار على الجماعة والوطن، لكننا لم نتخذ الموقف الجاد الذى يحول دون وقوع هذه الأخطار.. نعم حاولنا أن ننبه ونحذر، لكن قد أسمعت إذ ناديت حياً.. مشكلة، بل مأساة ألا تكون لديك شجاعة المواجهة الصلبة فى الوقت المناسب مهما كلفك ذلك من عنت أو تضحيات.. لكننا عادة ما نجامل، أو لا نريد أن نحرج أنفسنا، أو أن نسبب ضيقاً لإخواننا، أو نوهم أنفسنا بأن «الزمن جزء من العلاج».. وهكذا تمضى وتتراكم الأخطاء بمرور الوقت إلى أن تصير جبلاً يصعب إزاحته..

(٢) الخطيئة الكبرى فى حياة الإخوان هى أنهم لا يتعلمون من أخطائهم، وهذا راجع إلى إحساسهم بامتلاك الفكرة الأفضل، والمنهج الأكمل والأمثل، والخلق والسلوك الأقوم والأطهر.. وهو راجع أيضاً إلى ثقافة السمع والطاعة والثقة فى القيادة، التى تؤدى بالضرورة إلى عدم توجيه النصح أو المساءلة للقيادة إذا ما أخطأت أو حادت عن الطريق الصحيح.. وهو راجع كذلك إلى الانكفاء على التنظيم وعدم الانفتاح أو التواصل مع القوى السياسية والحزبية والرموز الوطنية إلا فى الحدود الضيقة جداً، خاصة إذا كانوا فى حاجة إليهم.. وقد ذكر لى بعض رؤساء الأحزاب أن الإخوان عندما يكونون فى ضيق أو معاناة أو حصار من قبل النظام الحاكم، لجأوا إلى الأحزاب واستغاثوا بها.. أما إذا انتهى الضيق واختفت المعاناة وتراجع الحصار، نسوا الأحزاب ولم يلتفتوا إليها ولم يعيروها أى اهتمام.. هذه الملاحظة وإن كانت تحمل نوعاً من التجنى، فإن بها قدراً لا بأس به من الحقيقة..

(٣) مما لا شك فيه أن «البنا» كان شخصية غير عادية.. فهو صاحب رؤية وعلم وفقه، كما أنه امتاز عن غيره من القادة والزعماء بعبقرية التنظيم.. وقد اجتهد الرجل وفق معطيات زمانه؛ أصاب فى أشياء، وأخطأ فى أشياء.. وقد اختلفت فيه الآراء، واعتبره البعض مجدد القرن الرابع عشر الهجرى.. ومن الملاحظ أنه صاغ بمفرده البناء الفكرى والتنظيمى والإدارى للجماعة، ولم أعثر من خلال مذكراته أو رسائله على أن أحداً من الإخوان شاركه فى إعداد هذا البناء.. كان «البنا» هو المفكر والمؤسس، بل كل شىء فى الجماعة، ولم أجد من يحذف أو يضيف أو يعدل شيئاً مما شيده.. وبعد استشهاده فى ١٣ فبراير ١٩٤٩، وحتى اليوم لم يحدث استدراك أو تصويب لما صاغه الرجل، اللهم إلا المسائل الأربعة؛ التعددية الحزبية، الشورى الملزمة، المرأة، والالتزام بالتغيير السلمى.. الثلاث الأولى أصدرها الإخوان عام ١٩٩٤ فى كتيب صغير بعنوان «المرأة المسلمة فى المجتمع المسلم، الشورى، وتعدد الأحزاب» (ط٢، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، ٢٠٠٥).. أما المسألة الرابعة فقد عبر عنها وأكد عليها الإخوان فى تصريحاتهم ومقالاتهم وحواراتهم منذ منتصف السبعينات من القرن الماضى وحتى بداية العقد الثانى من القرن الواحد والعشرين..

(٤) من المهم أن نلفت النظر إلى أن هناك التباساً لدى جماعة الإخوان عامة، والشخصيات التى تناولناها فى هذا المكان خاصة (عاكف - عزت - الشاطر - مرسى)، حول فكرة النظام السياسى فى الإسلام، الدولة الوطنية الحديثة، الوطن والمواطنة، الديمقراطية، والسمع والطاعة والثقة فى القيادة.. إلخ. لقد كان «البنا» يعمل على استعادة الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم.. ففى رسالة «المؤتمر الخامس»، وتحت عنوان «الإخوان المسلمون والخلافة» (مجموعة رسائل الإمام البنا، ط١، دار التوزيع والنشر، القاهرة، ٢٠٠٦)، يقول: «ولعل من تمام هذا البحث أن أعرض لموقف الإخوان المسلمين من الخلافة وما يتصل بها، وبيان ذلك أن الإخوان يعتقدون أن الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير فى أمرها، والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام فى دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر فى شأنها على النظر فى تجهيز النبى صلى الله عليه وسلم ودفنه، حتى فرغوا من تلك المهمة، واطمأنوا إلى إنجازها.. والأحاديث التى وردت فى وجوب نصب الإمام، وبيان أحكام الإمامة وتفصيل ما يتعلق بها، لا تدع مجالاً للشك فى أن من واجب المسلمين أن يهتموا بالتفكير فى أمر خلافتهم منذ حورت عن منهاجها، ثم ألغيت بتاتاً الآن».. وفيما يتعلق بالتحوير عن المنهاج، يقول «البنا»: «هو منذ صارت (الخلافة) ملكاً عضوضاً وهذا وإن كان لم يعقبه إلغاء إلا أن الإلغاء وقع بعد ذلك فى آخر الأمر (يقصد عام ١٩٢٤ على يد أتاتورك)، أما خلافة آل عثمان فلم تكن شرعية بالمعنى الكامل، فكثير من الشروط كان مفقوداً فيها. وإنما تقبلتها الأمة بحكم التغلب وسايرت الخلفاء فيها حتى لا تثار الفتنة، ومعلوم أن هناك طائفة من المؤمنين لم تسلم بحكم آل عثمان وهى فى أوج سلطانها وهم أهل اليمن، وما زال الحال عندهم على ذلك إلى الآن. والإخوان المسلمون حين يعملون للخلافة يلاحظون تماماً وجوب توفير الشروط التى تحفظ كرامتها ووقارها وتجعلها حكماً إسلامياً حقيقياً لا صورة تمثيلية لا غناء معها وإن طال الزمن، فلابد فى النهاية من النصر، والله المستعان وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً» (مجلة النذير، العدد ٤، ١٩٣٩).

وللحديث بقية إن شاء الله.

* نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.