.
.
.
.

رسالة بوسطن!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

منذ عام ٢٠٠٣، أصبح لى موعدٌ فى الخريف مع مدينة بوسطن فى شمال الساحل الشرقى الأمريكى يبدأ عادة فى النصف الثانى من أغسطس وينتهى مع نهاية أكتوبر. وهكذا كنت محظوظاً بشدة، فلا أظن أن للخريف مكاناً آخر بمثل هذا الجمال الذى تمتد فيه الخضرة دائماً إلى نهاية البصر ثم يهبط عليها سلطان الطبيعة فتتغير الألوان فتصبح لوحات ربانية من الجمال الأخاذ والخاطف للقلوب والأبصار. الهدف المباشر هو البحث والتدريس، ولكن للسفر من ناحية سبع فوائد، ومن ناحية أخرى هو النظر للوطن من بعيد والتفكر فى خلق الله. وبالصدفة البحتة قبل سفرى اطلعت على تقرير أعدته مجلة «الإيكونوميست» اللندنية عن «المعيشة فى مدن العالم»، قارنت بين ١٤٠ مدينة رئيسية فى الدنيا وفقاً لمعايير اختارتها، كان منها معدلات الجريمة والعنف عامة، وسهولة المعيشة والخدمات الصحية، وحالة المواصلات والاتصالات، وغيرها مما ييسر الحياة أو يعقدها. المدينة الأولى فى العالم كانت ميلبورن فى أستراليا، أما أكثرها سوءاً فكانت دمشق، والفارق بينهما كان بين الحياة والموت، العنف والسلام، الصحة والمرض، الخوف والأمان. وما بين المدينتين وقعت بقية المدن، ومن بينها كانت مدينة بوسطن فى الصفوف المتقدمة، ولكنها بالنسبة لزياراتى المتعددة لمدن كثيرة كانت فى مكانة أكثر تقدماً وفقاً لمعايير شخصية بحتة تضاف لتلك التى بات التواضع عليها عالمياً.

كان أول ما لفت نظرى فى زيارتى الأولى للمدينة فى صيف وخريف عام ٢٠٠٣ أن أهلها الأكثر شباباً بين كل المدن دائمو الابتسام. ولأنه فى المدينة توجد عشر جامعات تنتمى إلى أكثر جامعات أمريكا تقدماً (هارفارد أكثرها شهرة بالطبع، وهى الجامعة التى هبطت عليها فى أول زيارة)، فإن البهجة تأتى مع الشباب، ومعه تكون حالة الابتسام والتفاؤل بما هو قادم. فيها توجد سفينة نوح التقليدية الأمريكية، حيث تجتمع أجناس وألوان شتى، ولكن من يأتون إليها هم عادة من كبار القوم فى بلدانهم، أو أنهم أصبحوا كذلك فى الولايات المتحدة. والنزعة الليبرالية للمدينة جعلتها تبرأ من أمراض المدن الأمريكية الكبيرة الأخرى؛ وفوق ذلك نزعة ثقافية تمزج ما بين الفنون التشكيلية والموسيقى. ضع كل ذلك فوق بعضه وسوف تجد نفسك أقل توتراً، وأكثر تفاؤلاً، وجاهزاً تماماً لكى تجعل من مهمتك فى التدريس والبحث متعة معتقة.

الحالة فى جمالها هذا سوف تجعلك تنظر فى المدن المصرية ومقدمتها القاهرة والإسكندرية؛ وبالتأكيد، سوف تبدأ بأن بوسطن لا يوجد فيها ما يتوافر للأولى أو الثانية من مكانة تاريخية تركت آثارها على الوجود حتى قيل إن الزمن تحدى البشرية دوماً، ولكن «الأهرامات» وحدها تحدت الزمن. فالتاريخ غير حاضر بمثل هذه النفاذية التى تمثلها عصور وحقب وألفيات، ولا حتى بمثل هذا الزخم من كثافة بشرية. ومع ذلك فإن الحاضر موجود بشدة، حيث تجتمع «العولمة» فى كل شىء ولكن مع بصمات أمريكية خالصة. والمدهش أنه فى كل الأحوال فإن الحاضر ممتد نحو المستقبل، ليس فقط فى شباب المدينة، وإنما فى قدراتها الخالصة على أن تخترق بالعلم حجب القادم من سنوات وعقود.

هذه حالة مختلفة عن العالم القديم، والذى بات قِدَمه بعيداً عن التاريخ، وصار نوعاً من التآكل والتراجع إلى الدرجة التى جعلتنا نبحث عن «عاصمة جديدة» تحت اسم جديد: العاصمة الإدارية. فإذا كان لا بد مما ليس منه بد، وأن المدينة بين القاهرة والعين السخنة سوف تكون حاضرة جديدة، فلماذا لا تكون من نوعية المدن الفائزة المتقدمة: ميلبورن فى أستراليا وفانكوفر وتورنتو فى كندا؟! هذه مدن لم يكن لها وجود عالمى قبل قرنين من الزمان، والحقيقة فإنه باستثناء «فيينا» التى فازت بالمكانة الثانية، فإنه لا توجد مدينة «تاريخية» بين المدن العشر الأولى فى العالم (وحتى لا توجد فيها باريس أو روما أو لندن أو نيويورك). غالبية المدن المتقدمة فى العالم موجودة فى أستراليا وكندا، أى فى عوالم جديدة بالفعل. هذه مدن فسيحة فى صداقتها للإنسان وللبيئة، وفيها من البراح النفسى والإنسانى ما يسعد البشر، ويجعلهم أكثر ابتساماً وتفاؤلاً، والمؤكد أكثر إنتاجية وسعادة.

العالم العربى ليس فيه الكثير من المدن السعيدة، وحتى دبى، درة التاج فى الحساب العربى، وهى الأخرى من مدن العالم الجديدة، فإن مكانتها ٧٤ لأن المدن السعيدة لا تقاس بعدد ما فيها من أبراج، وكذلك يجب أن يكون المقياس والمعيار فى «العاصمة» المصرية المقبلة بحيث تكون المدينة حاضرة إنسانية صديقة للبيئة لمن سوف يأتيها من بشر. ومن الجائز تماماً أن تكون هذه المدينة إنقاذاً للقاهرة، المدينة والحاضرة القديمة هى الأخرى حيث يجرى إنعاشها، وبث الروح فى معالمها التى فى مجموعها تمثل متحفاً تاريخياً بين عصور فرعونية ورومانية وإسلامية فاطمية ومملوكية وخديوية ولِمَ لا؟ حديثة أيضاً (أحياء مثل الزمالك والمنيل القديمة، ومصر الجديدة القديمة أيضاً، لها عبق خاص؛ وهناك من المبانى والملامح لشوارع رمسيس والقصر العينى ما يوحى بأن روحاً سارية فيها تمزج ما بين الحداثة والتاريخ). كيف تركت بوسطن إلى القاهرة؟ لا أدرى، وهل كان ممكناً ألا يحدث ذلك؟!.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.