.
.
.
.

عشرون عاماً على المبادرة

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

فى أحد اللقاءات الموسعة التى جمعت اللواء أحمد رأفت ومساعديه بقادة الجماعة الإسلامية الذين أطلقوا مبادرة منع العنف، قال لهم: «مهمتكم أسهل من مهمتى بكثير، لأنكم تريدون إقناع تلاميذكم بنهج المبادرة والصلح، أما أنا فمسؤوليتى أن أقنع رؤسائى- وما أكثرهم- بمصداقية المبادرة وجدواها»، مرّ على هذا اللقاء عشرون عاماً، لقى الرجل مع بعض الحاضرين ربهم، رحمهم الله جميعاً. كان طريق الصلح والسلام شاقاً وعسيراً، لم أكن أتخيل أن الإقناع بالحرب والعنف للشباب أسهل من الصلح والسلام، ولم أكن أتخيل أن العدول عن منهج الشك والتعذيب وإهدار الكرامة الدينية والإنسانية فى السجون صعب ويحتاج إلى سنوات. فقد قضى اللواء أحمد رأفت ومساعدوه من جهة وقادة الجماعة الإسلامية الذين أطلقوا المبادرة ثلاث سنوات كاملة لكى تنضج ثمرات المصالحة والمراجعة والمحبة والتسامح والألفة والثقة والسلام بين الطرفين. لقد نجح الفريقان بصدقهما وتجردهما وإخلاصهما فى العبور من نفق العنف المظلم إلى نور المصالحة، ومن ظلمة الكراهية إلى ضياء المحبة والمودة، ومن اعتقاد كل طرف فى الآخر أن هذا إرهابى مجرم يستحق هو وكل من يعرفه التعذيب والتصفية أو أن ذاك الطرف طاغوت يعذب بغير حق أو يلفق القضايا أو يلقى بالأبرياء فى السجون فى اعتقال مفتوح، كان الطرفان لا يلتقيان إلا عبر العنف من جهة أو العصابة على العيون والتعذيب من جهة أخرى.

لقد تعلمت الكثير من المبادرة رغم أننى كنت أظن أننى أنا المعلم لها فى البداية، فإذا بى أجد نفسى تلميذاً صغيراً فى مدرسة عظيمة اسمها مدرسة الصلح والسلام، فأحببت «فقه الصلح» وحزنت لإهمال هذا النوع من الفقه، فكتبت عنه، وأحببت رواد الصلح، وعلى رأسهم محمد، نبى الإسلام العظيم، الذى قبل كل الشروط المجحفة فى الحديبية، رغبة فى حقن الدماء، وكلما فرضوا عليه شرطاً مجحفاً قبله دون تردد، حتى حزن الصحابة الأجلاء، وإذا بالقرآن الكريم يحسم الموقف لصالح رسوله العظيم فسمّى هذا الصلح «فتحاً مبيناً». وأحببت «الحسن بن على»، رائد فقه الصلح والتنازل عن حقه لحقن الدماء، فَنَالَ وسام «إن ابنى هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين من المسلمين»، وآليت على نفسى أن أكتب عنه طوال حياتى، وقد فعلت ولله الحمد، وأحببت صلاح الدين الأيوبى والسادات لأنهما نجحا فى الحرب والسلام معاً، وشعرت بما عاناه كل منهما فى سعيهما للنجاح فى الحرب والسلام، وكلاهما بُخس حقه فى الأمرين.

وتعلمت أن من يرد السلام وحقن الدماء فلابد أن يتنازل، ومادام ذلك ليس فى الدين فلا حرج عليه، فإن تخسر فى السلام أفضل من أن تكسب فى الحرب وتريق دماء الآلاف من أبنائك وأبناء خصومك.

وأدركت أن القائد العظيم هو الذى يخرج الناس من السجون وعذاباتها ويحقن دماءهم، وأن الفاشل هو الذى يزج بالآلاف من أبنائه إلى السجون وأهوالها وقد كان قادراً بكلمة واحدة أن ينقذهم منها.

لقد مكثت فى السجون والجميع يعلم شجاعتى ورباطة جأشى فيها، وأن كل ما قلته أيام المبادرة ظللت متمسكاً به، مهما دارت الأيام وتعاقبت، لا أطلب سلطة ولا أتقرب لذى سلطان، ولا تغرنى الدنيا مهما علت وارتفعت، فمهمتى محصورة والحمد لله فى الطب والعلم، وأعتبرهما أفضل من كنوز الدنيا كلها.

وقد قلت مراراً: إن أرجى ما يتقرب به العبد إلى ربه هو حقن الدماء، وإن الحرب تبدأ بكلمات، فخطاب الحرب سيؤدى إليها ولو لم يقصد ذلك أهله، وخطاب السلام والتسامح والصلح سيؤدى إلى هذه الثلاثة حتى ولو بعد حين. وتعلمت أن من الغباء أن تطلق خطاب الحرب وأنت تريد السلام، وتعلمت أنك إذا أردت أن تنحو الدول نحو المصالحة والسلام فابدأ أنت بها أولاً، فابذل السلام ستجده، وابذل العفو ستلقاه، وراجع نفسك فستراجع الدول نفسها ولو بعد حين، الدول يأخذها الكبر ولا تتوقف عن خروقاتها إلا حينما تتوقف أنت عن خروقاتك وحماقاتك، فماذا عليك إذا راجعت نفسك لله حتى وإن لم تأخذ شيئاً فى المقابل، يكفى أنك وصلت للحق ورجعت للصواب وتوقفت عن الغى والعنف، وصنعت ما ينبغى عليك فعله، وتأكد أن الله سيقذف فى قلب خصومك السياسيين وقتها أن يفعلوا الواجب عليهم. فعندما راجعنا أنفسنا بصدق راجعت الدولة نفسها أكثر من مراجعتنا، فإذا بها تتوقف من تلقاء نفسها عن التعذيب والتصفية الجسدية وتوسيع الاشتباه وتحسِّن السجون ثم تبدأ الإفراج على مراحل.

وإذا بالسجون تتحول من إهدار الكرامة الدينية والإنسانية إلى أفضل سجون فى منطقة الشرق الأوسط، وزار أكثر من ألف سجين منازلهم فى مناسبات سعيدة أو حزينة، حتى زار بعض المحكوم عليهم بالإعدام بيوتهم وعادوا دون مشكلة.

وقد مرت الآن على المبادرة عشرون عاماً كاملة وعاش أقوام ومات آخرون واستقال من الجماعة بعض صناعها وبقى آخرون وخرج على المعاش جيلان كاملان من صانعيها من جانب الدولة، إلا أنها تبقى الحسنة الكبرى لكل من ساهم فى نجاحها أو كان له نصيب فيها، إنها باختصار أرضى أعمالى إلى الله.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.