.
.
.
.

شروط أساسية لنجاح فترة حكم ثانية للرئيس السيسى!؟

مكرم محمد أحمد

نشر في: آخر تحديث:

لعل أهم ما يمكن ان يميز فترة حكم ثانية للرئيس السيسي، نجاحها فى توطيد نظام عادل للحكم يضمن الارتقاء المستمر بشروط وحاجات الانسان المصري، ويساعده على تحقيق حد الكفاية لفئاته المختلفة من خلال الالتزام الصارم بالمسئولية واداء الواجب، واطلاق طاقات المجتمع فى اطار منظومة عمل وقيم جديدة، تحمل داخلها بذور استمرارها وحوافز نجاحها..، وبعبارة أكثر بساطة، فان نجاح فترة حكم الرئيس السيسى الثانية يصبح مؤكدا ان اسفرت عن نظام عمل وحياة جديدة تستمد نجاحها من داخلها وتعرف مقاصدها وأهدافها، وتحسن تنظيم جهودها وصولا لتحقيق هذه الاهداف.

وما من سبيل لانجاز ذلك سوى النهوض بالدولة المدنية القانونية الديمقراطية التى تتساوى فيها حقوق المواطنة دون تمييز فى الجنس او اللون اوالدين، والاخذ بنظام التعدد الحزبي، واحترام الحريات العامة والخاصة، وكفالة حرية الرأى والتعبير، واحترام الدستور والقانون، واجراء عمرة شاملة تصلح انظمة التعليم والتدريب والبحث العلمي، وتستنقذ المحليات من فسادها الذى جاوز حد الركب!، وتعتمد معايير الاداء فى العالم المتقدم الذى يأخذ بأسباب العلم..، ولاننا لسنا فى مجال اختراع العجلة من جديد، يصبح من حقنا ان نستفيد بكل تجارب الامم والشعوب التى نجحت بالفعل فى اقامة نظام ديمقراطى صحيح، خاصة ان البشرية لم تخترع بعد ما هو اكثر اكتمالا من الديمقراطية الغربية رغم نقائصها العديدة!.

وفى اطار هذه المهام يصبح من حق الرئيس بل ومن واجبه ان ينشئ حزبا سياسيا يكون ظهيرا له فى الشارع السياسى خلال فترة حكمه الثانية، كما يصبح من حق المصريين انشاء احزاب معارضة او مستقلة يستكمل بها المسرح السياسى اركانه الاساسية، لانه بدون تعدد حزبى لا يقوم نظام ديمقراطي، وبدون معارضة وطنية لايكتمل النظام الديمقراطي..، وما ينبغى ان يكون واضحا للجميع ان استكمال اركان المسرح السياسى ووجود حركة حزبية نشيطة لا تحاصرها وتخنقها اجراءات الامن يحقق صالح مصر اولا واخيرا بدونه يصعب تحقيق اى تقدم، لان القبول بالتعدد الحزبى يعنى القبول بتداول السلطة ويعنى القبول باجراء انتخابات حرة ونزيهة تحدد نتائجها مشروعية الحكم ومشروعية المعارضة، وتضمن احترام الجميع لاسس تداول الحكم ومشروعيته القانونية، وفى جميع الاحوال ينبغى ان يكون من ميزات فترة الحكم الثانية للرئيس السيسى الاحترام الكامل للدستور والقانون على نحو ملزم لايحتمل ذرة شك او تردد.

وربما يكمن الاختبار الخطير الذى يمكن ان يتعرض له الرئيس السيسى فى تلك الدعوات التى تخرج الان على استحياء، تطالب بتغيير الدستور لزيادة فترة الحكم إلى 5 او 7سنوات او بدعوى اتاحة الفرصة للرئيس السيسى كى يحكم فترة ثالثة، بحجة ان مصر لن تجد فى الامد المنظور من يفضل الرئيس السيسى مرشحا للرئاسة طالما هو قادر على القيام بمهام المسئولية!!، وهى دعوة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب لانها تعنى الاصرار على عدم احترام الدستور وتضع العصى فى عجلات اى نظام يستهدف تقنين اوضاع مصر الدستورية بما يضمن لها ان تكون دولة مدنية حديثة لاتقوم على حكم الفرد،تنهض على اكتاف مؤسسات شرعية ومواطنين يحترمون حقوقهم وواجباتهم، فضلا عن المخاطر الضخمة لهذه الدعوةعلى مصداقية الرئيس السيسى اذا نجحت مواكب النفاق فى ان تجعل من هذه الدعوى تيارا غالبا..،ولو ان الرئيس السياسى (لاقدر الله) وقع فى أسرهذا التيار(وهذا ما استبعده تماما) لخسر الرئيس السيسى مصداقيته وخسرت مصرالكثير، لان مهمة الرئيس السيسى فى فترة حكمه الثانية ليس مجرد ان يحكم مصر على اسس عادلة وقانونية، ولكن ان ينهض بدولة مدنية قانونية حديثة تحترم الدستور والقانون، يمكنها نظامها السيسى من تحقيق اهداف شعبها فى التنمية والتقدم والرخاء..، ومن ثم يصبح احترام النص الدستورى الذى يقصر فترة حكم الرئيس على مدتين متتابعتين امرا واجبا يرقى إلى حدود المقدس،لان الخسارة ضخمة ومهولة إذا عدنا مرة أخرى لوضع( الشبه دولة) الذى لم يستقر بعد نظامها السياسى على اسس صحيحة يتوافق عليها الجميع.

ولا أظن ان الدستور يمنع عودة الرئيس او حزبه إلى الحكم مرة آخرى إذا ما رشح نفسه فى انتخابات رئاسية جديدة بعد فترة من غياب ولايته لان الرئيس يملك ظهيرا سياسيا يتمثل فى حزب سياسى من حقه ان يرشح بديلا بعد انتهاء ولايته الثانية.

ويقرب من المقدس ايضا فى فترة ولاية الرئيس الثانية، ان تجرى كل انتخابات مصر بنزاهة شفافة وبصورة يمكن التأكد من صحتها ونزاهتها عبر رقابة وطنية او دولية يحددها القانون، وان يظل لمحكمة النقض حقها المتفرد فى نظر الطعون على صحة وسلامة انتخاب نواب الشعب، يلتزم مجلس النواب بتنفيذ احكامها فور اعلانها للمجلس، دون اى تلكؤ او مماطلة تضرب مصداقية المجلس وتهز استقرار النظام البرلماني.

ولا يعيب سلامة النظام السياسى ان يحمى نفسه من جماعات بعينها ترى الامة ضرورة تعليق حقها فى المشاركة السياسية إلى حين يحدده القانون، لان هذه الجماعات تشكل خطرا على امن مصر وسلامة الدولة المصرية واستقرارها، شريطة ان ينظم القانون هذا الحق ويحدد نطاق تطبيقه بحيث لاتتجاوز اهداف القانون لتصبح سيفا مسلطا على رقاب الجميع، وشريطة ان يعطى القانون فرصة الطعن على هذه القرارات امام المحاكم،بما يستوفى حق المواطن فى ان يؤكد براءته من هذه الجماعات، او رفضه لها فى اعلان واضح على الملأ كى يعود لممارسة حقه الدستورى فى الترشيح والانتخاب..، واظن ان هذا النهج الواضح الذى يحدد ابتداء شروط اللعبة السياسية ويقطع الطريق على حق هذه الجماعات فى المشاركة إلى حين يحدده القانون، ويعطى فى الوقت نفسه للمواطن الحق فى ان يعترض امام المحكمة او يفك ارتباطه بهذه الجماعات على نحو علني، اسلم كثيرا من التدخل المباشر فى العملية الانتخابية لضمان عدم نجاح هؤلاء، لان التدخل المباشر فى العملية الانتخابية بهدف اسقاط هؤلاء الافراد ان نجحوا فى التسلل وتمكنوا من ترشيح انفسهم يفسد العملية الانتخابية برمتها ويبطل مصداقيتها، وكما ان من حق كل شعب ان يحمى امنه واستقراره فى اطار واضح وشفاف، فان من حق كل مواطن ان يمارس حقوقه السياسية إلا ان يكون عضوا فى جماعات العنف والارهاب..، واظن ان النسبة الغالبة للمصريين لا تزال ترفض عودة جماعة الاخوان المسلمين إلى المشاركة السياسية فى الحكم،إلا فى اطار واضح يحمى امن مصر، ويضمن مراجعة هذه الجماعات لافكارها وبرامجها بما يحول دون الخلط السيئ بين السياسة والدين.

فاذا انتقلنا إلى مهام الفترة الثانية التى تؤسس لقيام الدولة المدنية الديمقراطية، تصبح الاولوية المطلقة لاصلاح واعادة ترتيب نظام التعليم فى المدارس والجامعات والنهوض بمراكز البحث العلمي، واعادة الاعتبار لدور المدرسة والغاء كل صور التعليم الموازى غير الشرعية التى افسدت هيئات التدريس، واحياء التعليم الفنى مهما كانت كلفة ذلك المشروع، والحرص على ارسال البعثات العلمية إلى الخارج فى تخصصات بعينها تحتاجها مصر،وتغيير المعادلة باكملها بما يضمن غلبة الافراد العلميين على التخصصات النظرية، والارتقاء فى جميع مراحل التعليم بعلوم الطبيعة والكيمياء والرياضة التى تصنع تقدم المجتمعات وتعزز قدرتها على التجديد والابتكار، وتمكنها من تبادل المنافع والمصالح مع العالم المتقدم..، وبدون اصلاح واعادة ترتيب نظامنا التعليمى على هذا النحو المحدد، تظل جهودنا كمن يحرث فى البحر او من ينقش على الماء مجرد سراب لايقود إلى هدف حقيقي، علما بان التجديد والابتكار والبحث العلمى لايحقق نتائجه المأمولة فى غيبة حرية الرأى والتعبير والبحث العلمي.

ويترافق مع هذه المهمة مهمة ثانية لاتقل خطورة هى اصلاح المحليات وتطهيرها بعد ان جاوز فسادها حد الركب، واصبح للمسئولين عنها ابتداء من السيد المحافظ إلى رئيس مجلس المدينة والقرية جلود سميكة لاتستشعر اية مسئولية حقيقية تجاه المواطن البسيط!، ولن ينصلح حال المحليات إلا من خلال هزة عنيفة توقظ هذه الضمائر النائمة..،واظن ان نقطة البدء الصحيح هى اعلان الحرب على التسيب والاهمال واللامبالاة وقبلها عصابات الفساد التى يتجاوز خطرها خطر جماعات الارهاب من خلال نظم يقظة للمراقبة والمساءلة والثواب والعقاب، واحكام باتة رادعة تكون عبرة لكل من يعتبر، مع احداث نقلة حقيقية فى قوانين الادارة المحلية، تعطى للمجالس المحلية الحق فى استجواب رؤساء الادارات التنفيذية وعلى رأسهم المحافظ، وتمكن المجلس الشعبى من التصويت بسحب الثقة من اى مسئول تنفيذى يفسد او يهمل أو يتهاون، كما تمكن الاحزاب السياسية والجمعيات الاهلية والمواطنين جميعا من تفعيل حقهم فى الرقابة على سلامة الاداء الحكومي، فضلا عن ضرورة الحرص على تواجد الشباب فى كل تشكيلات الادارة المحلية بما يجعل صوتهم مسموعا يستوجب الاهتمام والنقاش.

وفيما عدا هاتين المشكلتين العويصتين (اصلاح النظام التعليمى وتطهير المحليات) تهون باقى المشاكل، لان اخص ما يميز المصريين سرعة التفافهم حول رايات الاصلاح إذا ما تأكدوا من حسن المقاصد والنيات ودارت العجلة فى الاتجاه الصحيح، وبات واضحا حرص الحكم على احترام الدستور والقانون وتوسيع نطاق الحريات العامة، بما فى ذلك حق الاختلاف وحرية الرأي،وتوفير الاليات الصحيحة لممارسة هذه الحقوق..، ويزيد على ذلك ثقة المصريين الشديدة فى شخص الرئيس السيسي، ويقينهم الكامل بقدرته الكاملة الحفاظ على استقلال القرار الوطنى واعتقادهم الراسخ فى ضرورة استثمار فترة حكمه الثانية من اجل وضع مصر على المسار الصحيح، دولة مدنية قانونية ديمقراطية، توظف جهدها وقدراتها لتحسين احوال مواطنيها، لاتبادر بعداء احد، وتحرص على ان تكون جزءا من شرق اوسط مستقر ينعم بالامن والسلام .

*نقلاً عن "الأهرام" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.