.
.
.
.

فكرة للعاصمة الإدارية؟!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

لم أكن من المتحمسين للعاصمة الجديدة التى صارت «الإدارية» فيما بعد لأسباب عددتها آنذاك، أهمها الخوف من أن نفقد «القاهرة» القديمة، ولا نكسب عاصمة جديدة كما فعلنا من قبل مع مدينة السادات. ولكن الأنباء كلها تشير إلى أن العمل فى المدينة يجرى على قدم وساق، وبات هناك تصور أقرب إلى الواقعية يقوم على أن تكون «الجديدة» أشبه بجناح إدارى ومالى لتلك «القديمة»، مع إحياء هذه الأخيرة ببث الحياة فى كل عواصمها التاريخية من الفرعونية إلى الحديثة عبر الفاطمية والأيوبية والخديوية. هناك الكثير الذى يمكن أن تبوح به القاهرة لنا وللعالم ثقافة وثروة إذا أردنا. هناك سبب آخر لا يقل أهمية وهو أن «الجديدة» هى نتيجة منطقية للتمدد الجارى من ربع قرن تقريبا فى اتجاه الشرق بحيث يتكامل مع مشروعات قناة السويس، فتغطى صناعيا وسكانيا ذلك المثلث الذى يوجد فى رأسه بورسعيد ودمياط، وفى قاعدته القاهرة والسويس ومنطقة العين السخنة. فى أى الأحوال لم تنته كل التحفظات بعد حول طريقة العمل وأساليبه وتمويله وأولوياته، ولكن واجب «الإصلاحى» دائما طالما أن الواقع يتغير أن يجعل التغيير أكثر فى اتجاه الأفضل.

خلاصة الفكرة أن تكون المدينة مناسبة للمستقبل والقرن الواحد والعشرين الذى تغيرت فيه طبيعة المدن بسبب التقدم التكنولوجى. واحدة من ذلك جرت فى السكك الحديدية والقطارات الكهربائية والسريعة، مثل الرصاصة، وهذه قطعت فيها اليابان أشواطا واسعة، وتقف على القمة العالمية فيها، واستثماراتها منها موجودة بالفعل فى العديد من الدول العالم. مثل ذلك أيضا يحدث فى السيارات التى بات من المعتقد أن السيارة الكهربائية سوف تسود فى الدول المتقدمة مع عام ٢٠٢٥ أى بعد أقل من عشر سنوات، وهى فى حكم التاريخ تقل كثيرا عن غمضة عين وانتباهتها. ولكن الواقع يقول إن المسيرة بدأت بالفعل لكى يتحول إنتاج السيارات فى شركتى بى. إم. دبليو وفولكس واجن من السيارات المعتمدة على البترول إلى تلك المعتمدة على الكهرباء فى ٢٠٢٥. شركة هيونداى لديها رأى آخر، وهى أن تصل إلى هذا الهدف فى عام ٢٠٢٠، أما تويوتا فإنها تقول بالوصول إلى هذا الهدف، حسبما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، هذا العام ٢٠١٦. ربما كان ذلك مبالغا فيه، ولكن الثابت أن تويوتا تقود بالفعل إنتاج السيارات المختلطة بين البترول والكهرباء، وفى مدينة بوسطن الأمريكية فإن التحسن فى البيئة وتقلص التلوث ملحوظ لمن يأتى إلى المدينة بصورة منتظمة.

هذه القفزة الكبيرة فى صناعة السيارات نتجت من نوعين من التقدم التكنولوجى: الأول فى البطاريات التى يمكن شحنها باستمرار من دينامو السيارة، والثانى فى محطات الشحن التى سوف تكون البديل فى حالة السيادة الكاملة للسيارات الكهربائية. وبالفعل فإنه بات هناك ٣٠ ألف محطة شحن كهربائى فى ولايات وسط الغرب الأمريكية مقابل ٩٠ ألفا لتلك البترولية. وبمثل هذه السرعة والتغيير فإن صداقة البيئة لا تحدث فقط، وإنما طبيعة المدن من حيث المعمار الذى تعود على أشكال وأنماط محددة لمحطات الشحن. هنا فإن العاصمة «الجديدة» و«الإدارية» (أعتقد أنه آن الأوان لتسمية هذه المدينة، واقتراحى أن تسمى «طيبة» إحياء لعاصمة مصر القديمة) لا يمكنها بعد عشر سنوات من الآن أن تقوم على تكنولوجيا وممارسات انتهت منذ وقت طويل. صحيح أن العاصمة «القديمة»، القاهرة، قد تحولت عبر الزمن إلى مدينة حديثة تستوعب على طريقتها المتخلفة السيارات كما نعرفها حاليا، ولكنها فى نفس الوقت لاتزال تسمح للحمير والعربات التى تجرها الأحصنة بنقل البشر أحيانا والخضروات فى معظم الأحيان. بشكل ما جمعنا العيش فى القرن العشرين وما قبله القرن التاسع عشر.

الفكرة للعاصمة الجديدة والإدارية هى أن تكون مجهزة لتكنولوجيا المدن فى القرن العشرين، سواء كان ذلك يخص القطارات السريعة أو السيارات الكهربائية. مثل ذلك مكلف بالطبع، ويحتاج رؤوس أموال كثيرة، كما أنه يحتاج تأييدا شعبيا لن يكون متاحا لأن الشعب سوف يؤكد على ما يراه أكثر أهمية من غذاء وتعليم. الحل هو أن يكون كل ما سبق مفتوحا للاستثمار الأجنبى والمصرى بحيث يحصل المستثمرون على عائدهم من المشروع نفسه. وفى وقت من الأوقات كانت شركة مياه القاهرة وكذلك شركة الكهرباء، فضلا عن المواصلات العامة، وحتى الإذاعة المصرية (شركة ماركونى الإيطالية)، كانت كلها شركات أجنبية، وبعد ذلك اشترتها شركات مصرية. بعض من هذا لن يكون مستساغا لدى جماعة منا، ومنطقها أن ذلك يعنى هيمنة رأس المال الأجنبى على مصر، ومن ثم وجب تأجيل كل ذلك إلى القرن الثانى والعشرين. الحقيقة غير ذلك بالطبع، فلا تستطيع أى من هذه الشركات إذا جاءت، كما ذهبت إلى بلاد أخرى، أن تحمل قطاراتها ومحطات شحنها إلى بلادها. المهم أن نعطيها الحوافز، ومناخ الاستثمار الملائم، وسعر العملة الحقيقى، ونبعد عنها شرور البيروقراطية المصرية، وساعتها سوف نحصل على عاصمة جديدة بحق. سوف تكون «طيبة» بعثا لمجد مصر القديم، كما فعلت مكتبة الإسكندرية عندما بعثت علما من أعلام حضارتها.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.