الشيخ زايد.. الزعيم والإنسان

السيد ولد أباه
السيد ولد أباه
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تسنى لي مؤخراً متابعة الفيلم الوثائقي الذي أعده وزير الثقافة الفرنسي السابق الأديب والإعلامي المعروف «فردريك ميتران»، حول شخصية وتجربة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة وباني نهضتها الحديثة. ميتران اختار لفيلمه الذي بثته قناة Arte الألمانية الفرنسية عنوان «الشيخ زايد.. أسطورة عربية»، وهو عنوان ينطبق على مضمون عمله التلفزيوني المتقن، الذي استوقفتني فيه أمور أربعة أساسية نجح في إبرازها:

أولها: نمط الهندسة السياسية للدولة الاتحادية الذي بلوره الشيخ زايد مع إخوانه حكام الإمارات في ظروف إقليمية ودولية عصية. ما يكشف عنه الفيلم الوثائقي هو مصاعب بناء الكيان السياسي الوليد الذي انطلق من واحة العين، ثم من مدينة أبوظبي التي كانت إلى حدود بداية الستينيات مجرد قرية للصيادين لا تتوفر لها أي من مقومات الحياة الحديثة، مقارنة بباقي البلدان الخليجية. لم يكن الخيار الاندماجي بين الإمارات التي أعلنت اتحادها خياراً سهلاً ولا مضمون النتيجة، فقد علمتنا الأنثروبولوجيا العربية أن الكيانات القبلية لا تعرف إلا الصراع والتنافس وأن أحقاد الماضي لا تنطفئ، بيد أن التجربة نجحت باعتمادها منهجية جديدة على العمل السياسي العربي قوامها القرار التوافقي والتفاعل المرن والمصالح التضامنية، بما انجرَّ عنه بناء قاعدة قوية لهوية وطنية منسجمة ومتماسكة.

ثانيها: الروح التحديثية في مشروع الشيخ زايد الوطني الذي استطاع بذكاء فطري نادر استيعاب حقائق عصره، مراهناً على أن بلاده يمكن أن تكون قاطرة تنموية لعموم المنطقة وقاعدة استقطاب عالمي إذا توفرت لها الهياكل الارتكازية الضرورية والعُدَّة القانونية اللازمة والاستقرار الأمني المطلوب. كل الذين تحدثوا في الفيلم، ومنهم الرئيس الفرنسي الأسبق «جسكار دستان» الذي كان أحد أقرب الزعماء الغربيين للشيخ زايد، استوقفتهم قدرته الفائقة على متابعة تحولات العالم وعلى شجاعة القرار في المواقف الصعبة، بما ينم عن حس استراتيجي عال وثاقب. وبإمكان المرء أن يتابع باندهاش - من خلال مشاهد الفيلم- كيف تحولت المدن الإماراتية في عقود قليلة من مضارب بدوية وقرى ريفية إلى مدن حديثة مكتملة البناء العمراني تنافس أكثر عواصم العالم تطوراً.

ثالثها: الشخصية الديبلوماسية الفذة للشيخ زايد الذي استطاع في منعرجات اللعبة الدولية الخطيرة وتأثيراتها في المنطقة أن يكون محور إجماع بين كل الفرقاء بفضل حكمته واتزانه وميله للسلم والتوافق. من هذا المنظور، يكشف الفيلم الوثائقي عن دوره الفاعل في القضية الفلسطينية التي خصص لها أساس جهده الديبلوماسي وقدم لها شتى أوجه الدعم المالي والسياسي، مشيراً إلى تأثيره على الرئيس الفرنسي الأسبق «فرانسوا ميتران» في مشروعه حول الدولة الفلسطينية الذي تقدم به سنة 1982 واستقباله للزعيم الراحل «ياسر عرفات». وفي الجانب الديبلوماسي ذاته، يُبين الفيلم الوثائقي كيف استطاع الشيخ زايد تسوية كل خلافات بلاده الحدودية مع جيرانه، وكيف حول صلف وغرور شاه إيران إلى علاقة احترام وتقدير دون تفريط في الحقوق والمصالح، وكيف وقف مع الكويت في حرب تحريرها ورفض منطق الحروب الاستباقية و«الحضارية» التي تبنتها الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

رابعها: الجوانب الإنسانية الفذة في شخصية الشيخ زايد الذي ظل قريباً من مواطنيه، ودوداً وكريماً في تعامله مع الناس، محبوباً لدى كل من عرفه، بخصاله التي تجمع بين المهابة والتبسط والحزم والمرونة. في شهادته في الفيلم، يذكر الرئيس «جسكار دستان» كيف دخل الشيخ زايد بسرعة إلى قلبه واختاره صديقاً أوحد من بين زعماء الشرق الأوسط، وهو ما وقع لآخر رؤساء فرنسا الذين عاصروه «جاك شيراك» ووقع لملكة بريطانيا ولرئيسة حكومتها السابقة «مارغريت تاتشر»، كما طغى الشعور نفسه على كل من التقى به من سياسيين ومثقفين وإعلاميين.

النتيجة التي يخلص لها «فرديريك ميتران» في فيلمه هي أن الشيخ زايد أسس نموذجاً مستقراً وبنى تجربة سياسية تتوطد باستمرار، في ظل هذه الدولة الرائدة اليوم في محيطها الإقليمي والمتألقة على النطاق الدولي.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط