لمَ نشتري الملابس، فالموضة متغيرة!

كرم نعمة
كرم نعمة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

جارتي في عقدها السابع، لكنها على درجة من الحيوية تجعلها مصدر معلومات كامل عن الجيران، فرغم أني أعيش منذ عقد في هذا المنزل، لكنني لا أعرف الجيران بنفس القدر الذي تعرفه هذه السيدة، تتحدث مع الجيران في كل شيء، بينما لا يجرؤ أي جار آخر على امتلاك حريتها في الحديث مع الآخرين.

كانت تلقي التحية وتعيد إعجابها بهندامي من أجل أن تصل إلى فكرة أخرى لا تجعلها غير مهذبة بنظري، فهي ترى من الحماقة أن يشتري الناس الملابس الجديدة كل فصل، لأن الموضة متغيرة، فما تشتريه هذا الموسم يصبح غير صالح للارتداء بعد أشهر وفق مستجدات الموضة!

لم أجد ما أرد به على جارتي التي كررت فكرتها المتواضعة كلما رأتني، ربما لإحساس مرتبط بما افتقدته في الطفولة، أو لم تستطع أسرتي أن توفره لي آنذاك، مثل هذا الإحساس أبداه صديق لي، لا يمكن تصنيفه ضمن الأثرياء، لكنه يستطيع أن ينام هادئا ولا يقلق عما إذا كان لديه عمل أو لا، فما يمتلكه من عقارات في لندن يمكن أن يجعله وفق درجة الغنى في الدول العربية من أصحاب الملايين.

هذا الرجل الذي يعيش بدعةٍ وراحة، تربطه علاقة حساسة باختيار ملابسه، فهو يقتني كل ما يعجبه من دون “وجع قلب” على المال، ويحدث أنه قد يرتدي القطعة مرة واحدة ويتركها، أو لا يرتديها أصلا، حتى انتبه جيرانه إلى أنه لم يمر شهر من دون أن يضع كيسا مليئا بالملابس أمام منزله لتأتي مركبات الجمعيات الخيرية لأخذه، فهو متبرع كريم بملابس بعضها مازال يحمل ماركته.

لا يحتاج الأمر إلى الكثير من العناء لمعرفته، فهذا الرجل ليس متفردا بكرمه، فمثله شائع في المجتمع البريطاني وهناك الملايين من الأطنان يتم جمعها سنويا من الملابس المستعملة لتذهب إلى الدول الفقيرة.

لكن صديقي “الغني” اليوم لا يستطيع أن ينسى كيف كان شراء قميص جديد بالنسبة إلى مثله حسرة في طفولته، وغالبا ما يشترك مع إخوته في نفس قطع الملابس ويصل أحيانا للاحتفاء بما يشتريه أشبه بعرس! فلم يتسن لأسرته أن تشتري له كل موسم قطعة جديدة، بل أحيانا يبقى عاما كاملا بنفس ملابسه.

مثل هذا الإحساس ظل قائما في داخله، حتى بعد أن أغدقت عليه الحياة بما يجعله مرتاحا خلال فترة ما بقي من عمره، لذلك يرتدي أفخر الماركات من دون أن تمنحه نفس الإحساس الذي كان ينتابه صغيرا من شراء قميص جديد هو في كل الأحوال أسوأ نوع من المئات من القطع التي يتبرع بها اليوم.

صديقي يشتري اليوم أفخر ماركات الملابس، يلبسها أسبوعا أو شهرا ثم يتبرع بها، بحثا عن مسرة آفلة كان يشعر بها بمجرد أن يحصل على قميص جديد في طفولة لم تكن سعيدة.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.