مؤسسات الشيخوخة

خالص جلبي
خالص جلبي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

كلمة بيت عجزة مخيفة، فقد قرأت البارحة بحثاً عن الحكم قضائياً على أكثر من شخص في ألمانيا لقيامهم بجريمة قتل كبار السن العجائز الذين هم تحت العلاج ولا يملكون الدفاع عن أنفسهم، من ممرضين شباب ملوا من معالجتهم والاعتناء بهم، فحقنوهم بالسموم وقضوا عليهم! وقال بعضهم في المحكمة: لقد أرحناهم من هذه الحياة التي لا طعم لها ولا لون ولا رائحة!

إن الشيخوخة مخيفة حين تدب في المفاصل، وعلاماتها ثلاث: طقطقة المفاصل، واهتراء الذاكرة القريبة ولمعان البعيدة، وضعف البصر.

سألت زميلي الألماني «راينهارد»، حيث كنا نعمل معاً في مستشفى مارين بمدينة «جيلزكيرشن بور» بألمانيا: هل أنت متزوج؟ قال: نعم؟ قلت: هل عندك أطفال؟ قال: لا.. لا.. أبداً، ليس عندي أطفال، وأستطيع الإنجاب أنا وزوجتي، لكن ليس بنيتنا ذلك. سألته: لماذا؟ وما وجهة نظرك؟ عندها تأملني الرجل جيداً وقال: ولماذا الأولاد؟ وأي شيء سيفيدونني به؟ هل سينفعونني في كبري ويسندونني في شيخوختي وضعفي وسقمي ومرضي؟ كل ما سيفعلونه إن أحسنوا صنعاً ورأفوا بحالتي أن يرموني في بيت مأوى للعجزة! وفي رأيي أن هذا الجواب بذاته يحمل أزمة المجتمع الألماني وتناقض أجياله.

كنت يوماً في مدريد أزور صديقي الذي قال: لا بد لنا من المرور على دار رعاية كبار السن حيث يعمل صديق لنا؟ قلت للصديق: هلم فلنزُره معاً! نفس الشيء حصل معي في مدينة مونتريال الكندية حيث زرنا والد صديق لنا كان مناضلاً حزبياً وكاتباً مميزاً ومحامياً مصقعاً، فتحول إلى جثة، لا ميت فينعى ولا حي فيرجى! اللهم ارحمنا وأحسن ختامنا.

وكنت حريصاً أن أرى مثل تلك المؤسسات وكيف تعمل في كندا وإسبانيا، ولا أنسى ذلك المنظر المريع أبداً، حيث خاطبت نفسي بثلاث: اللهم لك الحمد على الإيمان، اللهم لك الحمد حمداً لا ينتهي على الصحة والنشاط، اللهم لك الحمد بقدر خلقك على العقل والنشاط الذهني.

كان كبار السن في تلك المؤسسة في حافة مدريد هياكل من الأموات جثثاً، أحدهم نائم في كرسي يخر لعابه من فمه ولا يدري، وآخر مستلقٍ على كرسي يحدق في الفضاء البعيد بدون نهاية، وثالث بالكاد يسحب رجليه لخطوات، ورابع بعكاز في شكل مهترئ في هيئة يرثى لها.. والممرضة محتارة بين إطعام هذا، وتجليس ذاك، وترتيب مرتبة ذلك، وتنظيف رابع.. كانت باختصار حفلة لاستقبال الموت يومياً.

البشر يشيخون، هذا حق.. «وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ».. وكلنا يريد أن يشيخ وكلنا يريد أن يعمر ويحافظ على الشباب، مثل من يريد أن يأكل من الكعكة ويحافظ عليها، وما هو بقادر على ذلك، فمن أكل انتهت الكعكة والحفلة، والشمعة تذوب مع الزمن فتلتهم نفسها، والزمن عامة يتدفق بدون ماسك وصاد وحاجز إلا بالركوب على ظهر شعاع الضوء، كما تقول نظرية النسبية. وهذا مستحيل عملياً على الأقل.

أما المعراج الثاني لكسر الزمن وحبسه، فهو كما جاء في القرآن عن جنة عرضها السموات والأرض، فيها يتوقف الزمن ويستمر الشباب. وهنا ندخل فيزياء جديدة مختلفة عن الفيزياء التي نعرفها في حياتنا، حين نرى في المنام أننا نطير مثل الطيور المهاجرة..

وأحياناً أقول في نفسي حول الموت إننا قد ندخل عالماً موازياً من مضاد المادة، فتدخل الطاقة أجساماً جديدة مع انقلاب شحنات الذرات، و«وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، «وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ».

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط