.
.
.
.

سور الدول العظيم

فهد عامر الأحمدي

نشر في: آخر تحديث:

تـركيا (مثل دول كثيرة حول العالم) اختارت بناء سور حقيقي يفصلها عن سورية.. القرار ليس جديداً وبدأ في ديسمبر الماضي من خلال جدار أسمتني يمنع تسلل الإرهابيين واللاجئين إلى أراضيها.. ومثل معظم الجدران المماثلة تتم عمليات البناء باستخدام وحدات خرسانية مسبقة الصب يتم صفها بقرب بعضها البعض.. بهذه الطريقة نجحت إسرائيل في تطويق الضفة الغربية في وقت قياسي في حين تستخدم تركيا وحدات أسمنتية مماثلة لا يقل طولها عن 2.5 متر، وارتفاعها عن 3.5 أمتار..

والفكرة بحد ذاتها ليست جديدة حيث كانت المدن القديمة تحيط نفسها بأسوار منيعة تغلق بعد غروب الشمس (ومايزال سور أريحا والقسطنطينية شاهدين على ذلك حتى اليوم).. غير أن الصينيين هم أول من قرر تسوير دولة بأكملها من خلال سور الصين العظيم الذي يمتد بطول 6400 كيلومتر.. وبعد ذلك بعشرين قرن بـنت الدولتان الكوريتان جدرانا إسمنتية وأسيجة كهربائية وحقول ألغام أغلقت المنفذ البري الوحيد لكوريا الجنوبية ـ في حين أصبحت كوريا الشمالية معزولة ليس فقط عن كوريا الجنوبية بل وأيضاً عن جارتها الصينية في الشمال!

ويعد "سور برلين" أشهر جدار أسمنتي بنته ألمانيا الشرقية عام 1961 للحد من هرب مواطني برلين الشرقية الى برلين الغربية.. وهذا السور بالذات (بكاميراته وتقنياته المتقدمة) تم استلهامه في إسرائيل لعزل الضفة الغربية بجدار اسمنتني بغيض يتجاوز طوله 1400كلم (وهي ذات المسافة التي تفصل الدمام شرقا عن ينبع غربا)!!

.. أما تايلند (التي تملك حدودا مفتوحة مع كمبوديا ولاوس) فعزلت جنوبها المسلم عن دولة ماليزيا بسور أسمنتني يتجاوز طوله 75 كيلومترا (بحجة تسلل الإرهابيين).. أما باكستان فتفكر ببناء سور بطول 2400 كيلومتر على حدودها مع أفغانستان للحد من حركة طالبان/في حين بدأت الهند فعلا ببناء سور يفصلها عن باكستان وآخر يفصلها عن بنجلاديش!!

.. أما أمريكا فلديها سياج معدني مكهرب بطول 3300 كيلومتر يفصلها عن المكسيك.. ورغم تقنيته المتقدمة لم يحد كثيرا من تدفق المهاجرين ومهربي المخدرات الأمر الذي جعل دونالد ترمب يعد ببناء جدار أسمتني حقيقي "تتحمل المكسيك تكلفته" في حال تم انتخابه رئيساً لأمريكا!!

.. حتى أوربا (التي فتحت الحدود بين دولها الداخلية) ما تزال فيها قبرص مقسمة بقطع أسمنتية بناها الأتراك بعد انفصالهم عن القسم اليوناني عام 1974 في حين عمدت أسبانيا إلى إحاطة مدينتي سبتة ومليلة (المغربيتين) بجدران تحميها من تدفق الأفارقة ــ وهذه الأيام بدأنا نسمع أصواتاً تطالب ببناء جـدران عازلة تحمي دول الاتحاد من تدفق المهاجرين العرب وجيرانهم الفقراء في تركيا وأوكرانيا وبيـلاروسيا!!

... والآن؛

هل استنتجتم بأنفسكم أعظم مفارقات هذا العصر؟!

... في حين يزداد العالم الافتراضي انفتاحاً (من خلال الانترنت والاتصالات الفضائية) يزداد العالم الواقعي انفصالاً من خلال جدران اسمنتية وأسيجة حديدية وتأشيرات عصية على اللاجئين..

وفي حال استمر العالم على هذا المنوال، سنصل قريباً إلى زمن تملك فيه كل دولة سورها العظيم، ويعـيش كل شعب داخل جدران حقيقية.. في حين سيتواصل الجميع من خلال الشبكة العنكبوتية!!

نقلاً عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.