.
.
.
.

لماذا اعتذرت "الإندبندنت" للسبهان؟

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

السبب هو الخوف من الملاحقة القانونية التي لوح بها السفير السعودي بعد أن نشرت الصحيفة تهمة باطلة تربطه بداعشي. الصحيفة البريطانية ابتلعت الطعم، وارتكبت هفوة مهنية كبيرة من خلال نشر معلومة مغلوطة بدون أن تتأكد منها (ليس من الصعوبة التثبت من صحتها لكن الصحيفة لم تكلف نفسها عناء التأكد من أن السفير ليس لديه ابن عم اسمه عبدالسلام كما زعمت). لمزيد من تطييب الخواطر لم تكتفِ بالاعتذار، بل قررت تقديم تبرعٍ مادي إلى مركز مكافحة الإرهاب التابع للأمم المتحدة يحمل اسمه.

ربما لو لم يظهر السفير السعودي بعض الأنياب فعلى الأرجح أن الصحيفة الشهيرة لن ترضخ وتقدم اعتذارها. ليس جديداً أو مستغرباً هذا الهجوم على السعودية من صحف ذات ميول يسارية، ولكنها في العادة لا تخفي وراءها بصمات أو مستمسكات تدينها وتكتفي فقط بالتحليلات العامة والتنظيرات المؤامرتية أو شن الحملات المكارثية والمحاكمات العلنية اعتماداً على معلومات زائفة، آخرها كان الهجوم عليها بحجة أنها تمنع دخول المهجرين السوريين لأراضيها، وهو بالطبع غير صحيح، ومع ذلك استمر رجم الحجارة لفترة طويلة حتى كشف المسؤولون السعوديون الرقم الفعلي الذي تستضيفهم وهو رقم كبير.

ولكن السؤال: لماذا السعودية وليس غيرها من يتعرض لهذه الهجمات غير العادلة؟ في رأيي لمزيج من الأسباب والدوافع. أبسط هذه الدوافع وأكثرها وضوحاً الدافع المادي البحت. يعلم هؤلاء المحررون أن وضع اسم السعودية على الغلاف، أو صورة لسعودي بعقال وبشت سيزيد من المبيعات والأرباح، وسيقبض هؤلاء الصحافيون رواتبهم آخر الشهر ولا يتعرضون للتفنيش بسبب قلة الموارد. قبل 11 سبتمبر كانت السعودية البلاد الصحراوية الغامضة التي تتلفع فيها النساء بالسواد، وتقطع فيها قطعان الإبل الطرق أمام السيارات، وبعد أن اختار بن لادن 15 سعودياً لارتكاب جريمته البشعة فتح فصلاً جديداً لم يغلق لحد اليوم.

يعرف الصحافيون أن مزيداً من الإثارة كفيل بالمحافظة على العيش أطول فترة ممكنة، خصوصاً في أجواء صحافية كئيبة لا يمر فيها شهر حتى نسمع أن صحيفة أغلقت أبوابها (الإندبندنت نفسها أوقفت طبعتها الورقية في مارس الماضي واكتفت بموقعها الإلكتروني). ولكن حتى لا نقع في فخ الإحساس بالاضطهاد لا يعني هذا أن كل أو حتى غالبية هذه الوسائل الإعلامية معادية، بل هي تعكس بعملها طبيعة التحولات في العمل الصحافي ودخول "السوشيال ميديا" كعنصر أساسي في المعادلة، ما يعني مزيداً من التركيز على القصص المشتعلة.

السبب الثاني هو أيديولوجي صرف وأكثر خبثاً. بالنسبة للفكر اليساري فإن السعودية تلعب دوراً في العالم يعاكس توجهاتها الطامحة لمزيد من التثوير، ولهذا السبب تحديداً هي شديدة النعومة مع النظام الإيراني، لأن الملالي يرددون ما تحب أن تسمعه الصحافة اليسارية. حرب على الإمبريالية والرأسمالية والبرجوازية "الطفيلية"، إضافة إلى لعن "الشيطان الأكبر". وعندما اندلع ما يسمى "الربيع العربي" هبت في وسائل الإعلام هذه توقعات هي في حقيقتها أمنيات تنتظر أن تنطلق الشرارة في السعودية. لحظة مخيبة، وزاد الأمر سوءاً أن السعودية هي الآن الأكثر استقراراً وسط بلدان انهارت، وهي التي رددت الدعاية اليسارية الثورجية نفسها التي يطرب لها هؤلاء الصحافيون، ولكن هذه كراهية لا تخص فقط السعودية، بل نظاماً فكرياً وسياسياً متكاملاً مؤمناً بالنظام الليبرالي العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. مازالوا يشتمون مارغريت تاتشر وهي التي أنقذت الاقتصاد البريطاني من الإفلاس، وذات الشيء مع السعودية الآن التي تحارب في اليمن ليس من أجلها فقط ولكن للمحافظة على وحدة المنطقة من الانهيار الكامل، ومع ذلك لا يتوقف النيل منها.
السبب الثالث ثقافي. فأنت شخص رجعي بدوي وستظل كذلك حتى لو تخرجت من هارفارد ولبست أفخم الماركات. في أيامي الأولى لدراستي في أميركا حضرت حفلة عشاء، وتعرفت على شخص يساري وقح، ما إن عرف أني سعودي حتى كرر الاتهامات الثلاثة المشهورة: النفط وصفقات الأسلحة والتعدد، ومضى في طريقه يضحك مع الآخرين بدون أن يسمع ردي. نظرة مسبقة جامدة لن تتغير أبداً.

بالطبع ليس كل ما يكتب معادياً، بل البعض منصف، ويذكر الانتقادات ولكن بموضوعية وعدالة، وكان آخرها مقال الدبلوماسي الأميركي الشهير دينيس روس في صحيفة "الواشنطن بوست"، الذي تحدث عن التحديات والتغيرات الحقيقية في السعودية الجديدة التي تريد أن تقلل من الاعتماد على النفط والدخول في عالم التحديث والتمدين مع رؤية 2030 التي وحدت السعوديين لأول مرة نحو هدف كبير وواضح. خيبت السعودية أمل هؤلاء الصحافيين المتوقعين منذ عقود انهيارها، وفعلتها مرة ثانية بخروجها من "الربيع العربي" أكثر قوة وصلابة. وبسبب هذه الجروح النفسية العميقة والخيبات غير المتوقعة تحدث الأخطاء المهنية، مثل خطأ تلك الصحيفة مع السفير السبهان الذي نتمنى أن يمضي في دعواه القانونية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.