.
.
.
.

دردشة في أبعاد الحِلم

عبد اللطيف الزبيدي

نشر في: آخر تحديث:

لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء، لإدراك أن الأجواء السياسية في العالم العربيّ، تؤثر في طريقة تعبير «شرائح» كثيرة، أصبحت نفوسها شرائح على وضم الظروف القاسية. فهل من سبل أخرى لردّ الفعل إزاء الاستفزاز، غير العنف بالعنف، والتطرّف بالتطرّف، والسلبيّة بالسلبيّة؟

قبل أن تولد بريطانيا وإيرلندا وفرنسا، و«تقاليد» الدعابة والسخرية في الردود لدى رموزها الأدبية والفكرية والفلسفية، التي سرت في شرايين وسائط الإعلام، حفَل ميراثنا الثقافيّ بألوان رائعة، لا تخلو من الطرائف واللطائف، في الحِلم، الذي اختصره القدامى وابتسروه، لكيلا نقول قزّموه، في «العفو عند المقدرة». للحِلم أبعاد أبعد من ذلك.

قصة معن بن زائدة فيها دعابة سوداء تفويتيّة على الخصم المستفِزّ، تنزع فتيل الانفجار، تعمل عمل مانع الصاعقة، تمتصّ شحنة الغضب، وتحول دون تحوّلها إلى أداة تعكير وتثوير وتدمير، وبالتالي تحقق السَّلم الاجتماعية، أي إذا أراد الطرف ألّا يجنح للسَّلم، فوّت عليه الطرف الآخر فرصة التصعيد. وهنا تتجلى للحِلم صورة فوق العفو عند المقدرة، وقيمة إضافيّة اجتماعية وتربوية ونفسية ساعية إلى الإرخاء في موضع الشدّ، رامية إلى إطفاء الشرارة قبل شبوب النار. يلعب هنا الحِلم بالدعابة الذهنية دور جهاز التبريد لإفشال عملية التسخين.

اللغة العربية تضفي على الحِلم أبعاداً أخرى، وهي ماهرة في تركيب المعاني المختلفة، طبقاً على طبق، عبقرية في تأليف التوافقات والتناغمات من الدرجات المتباينة. لغتنا تجمع الحِلم، الذي يعني أيضاً الترفّق والتأني، على أحلام، والأحلام هي العقول والنهى. المشهد يشبه لعبة «الكريكيت»، حيث يواجه اللاعب الكرة بمضربه، فلا يدعها تبلغ هدفها، أو الركلة الصاروخية في كرة القدم، التي يرفعها حارس المرمى بيده عن مسارها، فلا تهزّ شباكه.

لاشك في أن استخدام القيم الحضارية للحِلم، التي هي أبعد من العفو عند المقدرة، حين نربطها بالمهارات الذهنية في إبطال مفعول الشحنات العنيفة، تحتاج إلى تمرين فرديّ واجتماعيّ، كفيل بمدّ جسور التسامح، وقبول الرأي المختلف، مع مناقشته في جوّ ودّيّ، واكتشاف متعة الحوار النزيه. الروح الرياضيّة صعبة في البداية، أمّا «الهوليغانز» فلا هم من أهل الروح، ولا هم أهل للرياضة. والعربيّة تدري أن الرياضة والترويض واحد، فأين رياضة اللسان؟

لزوم ما يلزم: النتيجة الغائية: ليس الهدف أن تجعل الطرف يبكي في النهاية مثل خصم معن، فالغاية هي أن يضحك من سلوكه.

* نقلا عن "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.