.
.
.
.

تسييس الحجّ وسيلة لخدمة الإرهاب

عبد الوهاب بدرخان

نشر في: آخر تحديث:

لا بدّ أن طهران كانت تعرف، حين قرّرت منع مواطنيها من الذهاب إلى الحج هذه السنة، أنها تُخضِع فريضة دينية لاعتبارات سياسية. وبما أن موسم الحج سيتمّ في كل الأحوال فإن تعمّد مقاطعته لا يعطّله ولا يسيء للمملكة العربية السعودية بل لعشرات ألوف الإيرانيين الراغبين في أداء المناسك. والمؤكّد أن الاستياء والتململ من قرار المنع بلغا مسامع القيادة، التي وجدت نفسها ملومة ومدانة، لأن القرار قرارها، والخطأ خطأها، فرأت اصطناع قضية لتحويل اللوم والتذمّر نحو الطرف الأخر، نحو السعودية. لكن الإيرانيين المعنيين بالواجب الديني البحت، وليس باستغلال شعائر الحج للتظاهر و«تصدير الثورة»، مدركون تماماً أن الأبواب أوصدت أمامهم في طهران وليس في الرياض.

مع قرب اكتمال وصول الحجاج من الخارج تأكد لطهران أنها لم تستفد شيئاً من عنادها، وأنها بالأحرى أطلقت النار على قدميها لإغاظة الطرف الآخر. لذا لجأت إلى ما تتقنه جيداً، إلى التوتير والتأزيم، إلى التكتيك السياسي الذي لا يفسر جوهر قرارها ولا يعالج نتائجه، فتحوّل بالنسبة إلى مواطنيها قهراً مضافاً إلى القهر. كان يجب أن يأتي التوتير من المرشد نفسه، من الولي الفقيه، كي يؤخذ على محمل الجدّ والخطر، وهو استخدم لغة لا يستخدمها رجال الدين، بل لا تليق حتى برجال السياسة. فهذه الشحنة من الحقد والتحريض هي كل ما يستطيعه للتشويش على موسم الحج، لكن لن يحرِّض سوى جمهوره المحرَّض أصلاً، ولن يكسب شيئاً في العالم الإسلامي.

ليس أكيداً أن هذا الشحن يُكسبه في الداخل، بدليل حثّ مختلف الأجنحة على المساهمة في الحملة على السعودية. حتى الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف دخلا في سياق التهجّم الرخيص، ومن الواضح أنهما فضّلا كسب رضا علي خامنئي على المضي في مراهنةٍ واهية على أن يكونا مقبولَين كرسولَين للتطبيع مع الجيران الخليجيين. أما «حزب الله» اللبناني فبدا كأنه يفجّر «مفاجأة» بإعلانه أنه منع عناصره من أداء فريضة الحج «تطبيقاً للتكليف الشرعي للولي الفقيه» وذلك تحت طائلة الفصل من كوادر الحزب. أما «حوثيو» اليمن فتوقّعوا أن تعتمدهم السعودية كطرف «رسمي» لتفويج الحجاج اليمنيين، أسوة بما تفعله مع سائر الدول، ولأنها عوّلت في ذلك على الحكومة الشرعية، اتهموها بأنها تمنع الحجاج.

طبعاً هناك مناخ الأزمة العامة في العلاقات العربية - الفارسية، وليس فقط السعودية - الإيرانية، في خلفية حملة خامنئي، وقد أثار الأخير المأساة المروّعة التي وقعت في حج العام الماضي في مشعر منى باعتبارها أحد دوافع منع الحجاج الإيرانيين. وما دامت كذلك فلماذا قدم وفد إيراني إلى الرياض لمناقشة ترتيبات موسم هذه السنة، ولماذا أُعدّت مسودة لمذكرة تفاهم وافقت فيها الرياض على كل التسهيلات المطلوبة، متجاوزة عقبة القطيعة الديبلوماسية بعد خرق سفارتها في طهران، ولماذا غادر الوفد ولم يوقّع على المذكّرة، ولماذا صدر بعد ذلك قرار المنع؟ المسألة لا علاقة لها بمأساة مِنى ولا بالتحقيق في ملابساتها، بل بمراسم «دعاء كميل» أو تظاهرة «البراءة من المشركين» التي ابتدعها الخميني واعتبرها ركناً من أركان الحج. وهي تتمثّل عملياً بنقل تظاهرات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل» من شوارع طهران إلى مناسك الحج. كانت هذه التظاهرة تسبّبت بمأساة سابقة قضى فيها المئات في حج العام 1987، فعلامَ تكرارها وما علاقتها بالحج أصلاً؟

الإصرار على عدم تسييس الحج ليس مجرد شعار لفرض إرادة البلد المضيف بل قاعدة تساوي بين الجميع. يكفي تخيّل العكس، مجرد تخيّل، للتأكّد من مخاطر الانفلات وكوارثه. كأن الاحتقان المذهبي المتفاقم لا يحتاج اليوم إلا لتظاهرة إيرانية كي يتفجّر في رحاب الحرمين الشريفين، أو كأن هذه الرحاب لم توجد لتلتقي فيها الأقوام من كل فجّ عميق ليتعارفوا ويتآخوا بمعزل عن كل ما يفرّق بينهم. ما تريده القيادة الإيرانية ليس البراءة من المشركين وإنما استغلال الحج لتسعير أدلجتها للدين.


*نقلا عن "الإتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.