جاستا والانتهازيون والسعودية
قاطع أحد أعضاء الكونغرس خطاباً للرئيس أوباما بصرخة هيستيرية قال فيها "يا كاذب". لا أخلاقي ولا سياسي ولا وطني أن تشتم رئيس بلادك على شاشات التلفزيون التي يشاهدها العالم أجمع. في حادثة ثانية سخر أحد أعضاء الكونغرس من "سمنة" زوجة الرئيس بعد أن أعلنت عن برنامجها الغذائي الصحي. قال في حوار تلفزيوني كيف لها أن تنصح بالريجيم والأكل الصحي ومن ثم تفوه بكلمة غير لائقة لا يمكن ذكرها في المقال. وصف ليس فقط سياسيا غير مقبول ولكنه يفتقد أقصى درجات التهذيب واللياقة مع امرأة مهما كانت لأنه يتسبب بجروح نفسية عميقة.
العضو الشهير تيد كروز والمرشح السابق للرئاسة ألقى في 2013 خطابا امتد لـ21 ساعة كأطول خطاب في تاريخ مجلس الشيوخ. قرأ من كتاب ولم يأبه بتململ المعترضين والمشاهدين وتسبب بعدها بإغلاق الحكومة. قصة أخرى بطلها انتوني وينر العضو المتعري السابق وزوج هوما عابدين مستشارة هيلاري كلينتون. هذا العضو مدمن على تصوير جسده المتعري وإرسال صوره لنساء على تويتر وفيسبوك ما أدى لاستقالته عام 2011. لم يتب وقام مؤخرا بتصوير نفسه نصف عارٍ ورسم على وجهه ابتسامة غبية. الفتاة الذكية التي استقبلت الصورة باعتها لصحيفة "نيويورك بوست" التي وضعتها على غلافها الرئيسي. زوجته المسكينة التي سامحته أكثر من مرة وعضت على آلامها شعرت بالإذلال والفضيحة وقررت مؤخرا تطليقه.
القصص الأخيرة التي لعب أبطالها أعضاء في الكونغرس تعكس مزيجاً من قلة الأدب والوقاحة والغرور والاستعراض والمراهقة المتأخرة والتهتك. لا يدخل أعضاء الكونغرس الأميركي في جولات ملاكمة كما يحدث في بلدان العالم الثالث ولكن هذا لا يعني أنه لا توجد شخصيات غير مسؤولة وموتورة تسكن مكاتبه. من الصعب المقارنة بالطبع بين هذا البرلمان العريق الذي تأسس عام 1776 والبرلمانات الصورية ولكن الحقيقة أن سمعته انهارت وشعبيته تراجعت عند الناخب الأميركي حتى إن 15% من الأميركيين فقط يشعرون بالرضا عنه.
مناسبة هذا الحديث كما يمكن أن يستشف القارئ واضحة وهي قانون "تطبيق العدالة ضد رعاة الإرهاب" أو المعروف بـ"جاستا" الذي يهدف إلى السماح للمواطنين الأميركيين بمحاكمة دول عديدة أبرزها السعودية. على الرغم من أخطار مثل هذا القانون الكبيرة على العلاقات الدولية وإحداث فوضى قانونية ودبلوماسية غير مسبوقة وإثارته غضب حكومات وشعوب صديقة إلا أن أعضاء الكونغرس ماضون في الموافقة عليه. حذّر أوباما بأن بلاده ستكون أكثر المتضررين لأنه سيلغي عنها الحصانة ويدخلها في دوامة لا تنتهي من المحاكمات وخسارة بلايين الدولارات ومع هذا لم يستمع هؤلاء الأعضاء لهذه التحذيرات الجدية. مُؤكد أن الرئيس الأميركي حريص على مصالح بلاده أكثر من البلدان الأخرى ومع هذا بدا وكأنه يتحدث لجدران مصمتة.
وبالطبع الانطلاق من المصلحة الشخصية لإقناعهم بالعدول عن آرائهم التي قد تتسبب في إطلاق النار على أقدامهم قبل أقدام الآخرين يبدو أسهل من رؤية القضية عقلانيا بدون عواطف. من السهل رؤية الخلط في المسألة كلها لأي إنسان عادي فكيف بسياسي مسؤول.
عمليات الإرهاب ضربت دولا عربية كثيرة والسعودية أكثرها. عدد كبير من رجال أمنها قتلوا ومساجدها فجرت وحتى وزير داخليتها تعرض لعملية اغتيال. يقبع في سجونها مئات الدواعش والقاعديين وقامت بإعدام 47 منهم قبل عدة أشهر. 11 سبتمبر شارك فيها 15 سعوديا بعد اختيارهم بعناية فائقة من زعيم القاعدة بن لادن ولكن لا الشعب ولا الحكومة مسؤولة، وإلا اعتبرت الحكومة الأميركية مسؤولة عن جرائم دواعشها. أميركا ليست لها علاقة بثقافة الإرهاب اليوم ومن الصحيح فتح حوار صريح عن أسبابها التي تعود إلى التطرف والكراهية وتضرر منها المسلمون أكثر من غيرهم. لكن هذه قضية فكرية ثقافية عميقة الجذور يطول حلها ولا يمكن لوم حكومة أو إنسان واحد عليها.
هذا منطق بسيط وليس بحاجة إلى ذكاء وفطنة ومع هذا لا يقبله هؤلاء الأعضاء. ولكن لماذا؟ هل لأنهم حمقى غير قادرين على استيعاب هذه الحجة البسيطة والتاريخ الموثق؟ بالطبع لا ولكن لكلمة سحرية واحدة اسمها " الانتخابات". يسعى هؤلاء لإعادة انتخابهم من جديد في الشهرين القادمين ولذلك يخبو صوت العقل والمنطق ويعلو صوت الانتهازية والمصلحة الشخصية. قضية شعوبية مثل هذه ورغم ضررها الفادح بالمصالح الأميركية إلا أنها قادرة على تحريك القاعدة الشعبية لعضو الكونغرس الذي سيخرج بصورة البطل والمدافع عن المواطن البسيط أمام حكومات أجنبية غريبة. هذه وصفة سحرية لا يمكن التفريط بها لعضو كونغرس شعبوي ويسيل اللعاب أكثر إذا دخل فيها المال والتعويضات بالملايين. نفس القصة تكررت تقريبا مع 28 صفحة السرية التي علكها أعضاء كونغرس سنوات وانتهت إلى لا شيء.
أسباب انهيار سمعة الكونغرس ليست جديدة ولكن عوامل عديدة تسببت بحدوثها منها دخول التلفزيون والمال ومؤخرا السوشيال ميديا بصورة قوية ما أبرز الشخصيات الاستعراضية التي تجيد الخطابة وإلقاء القنابل المتفجرة وتصدر عناوين الصحف والمواقع الالكترونية وتراجع الشخصيات الرصينة العاقلة. وهذا ما يشتكي منه كبار السياسيين الأميركيين من هذه الفوضى المستمرة التي تسمح لشخصيات سياسية أن تدمر في الصباح علاقتك الوثيقة مع أصدقائك وحلفائك المقربين وتغازل في الليل على طريقة المراهقين والمراهقات.