قصص مثيرة من صراع الكهنوت والعلم

علي سعد الموسى
علي سعد الموسى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

في كتابه الاستثنائي اللذيذ (العلم وأثره في المجتمع) ص 23، يعرض المفكر والفيلسوف البريطاني برتراند راسل، هذه القصة التي تستحق القراءة من كل زاوية: في العام 1660، وفي أيام حكم الملك شارل الثاني، اجتاح مرض الطاعون لندن متزامنا مع حريقها التاريخي الكبير، وبناء على توصية الكنيسة قامت إحدى لجان مجلس العموم بدراسة أسباب الكارثتين والتحقيق فيهما، ثم نسبت نتائج التحقيق إلى (الغضب الإلهي). وكي تقنع الكنيسة والبرلمان الشعب البريطاني بأسباب الغضب فقد قررت الكنيسة أن أكثر ما أغضب الرب هو كتابات توماس هوبس عن العقد الاجتماعي، وأوصت بعدم نشر أي من أعماله في إنجلترا كافة. ومن المفارقة بمكان أن تسويق مثل هذه الخرافة في الربط بين الكوارث وأفكار مفكر مثل توماس هوبس قد وجدت لها سندا على أرض الواقع، فلم تصب لندن بعدها بالطاعون كما لم تحترق بكاملها منذ ذلك الحين. وفي صراع العلم مع الخرافة حول تلك القصة الشهيرة تجاهلت الكنيسة وكارتيل الكهنوت أن العلم والبحث والمختبر هي من اكتشف في ذات العام سم الفئران المسببة للطاعون وأن ألف طن من مسحوقه الرمادي الممزوج بالطحين هو السبب الذي أنقذ المدينة وأهلها من المرض القاتل.

في كتاب برتراند راسل (توفي عام 1970) عرض ساحر أخاذ لصراع العلم والخرافة وتقابلية التنوير مع الكهنوت على المسرح الأوروبي الذي شهد في القرن السابع عشر بالتحديد ذروة المواجهة التي كانت تنتهي في الغالب لمصلحة المجمع الكنسي بإقصاء المختلفين معه أو قتلهم أو نفيهم أو دفعهم للسجون والتعذيب بأشكال بالغة القسوة. لكن الجمع العقلي الأوروبي اكتشف مع الزمن أن ثورة العلم وكشوفاته الصناعية لا تتعارض أبدا مع فطرة الخالق في المخلوق لأنه من استودع فيه نعمة العقل التي تميزه عن أي مخلوق آخر. يذكر راسل في كتابه أن البابليين أول من اكتشف ظاهرة خسوف القمر وحددوا وقته بدقة، لكن العالم الإغريقي (ثوفيديدس) لقي الموت شنقا عندما قال إن الأرض كروية وهو يشاهد ظلها على القمر في ساعة كسوف شمسي. والخلاصة في زبدة الفكرة تكمن في السؤال: أين هو موقعنا الزمني في صراع الخرافة مع العلم الذي تجاوزته أوروبا منذ 300 سنة؟ وقبل الجواب أرجو ألا يقل أحد على لساني أنني أقول بصراع الدين مع العلم. أنا أتحدث عن اعتساف الدين وتشويهه من أجل نشر الخرافة لأن الأخيرة لقمة عيش وبطاقة انتشار اجتماعي يعيش على فوائدها عشرات الآلاف في الجسر الرابط ما بين الدين والخرافة. ومن مصلحة هؤلاء تعميق حفرة الجهل، ومن مصلحة بقائهم أن تبقى مجتمعاتنا في غياهب الأمية المطلقة. هؤلاء يحاربون النور بتهمة ريبة (التنوير) ويحاربون التحديث بفزاعة (الحداثة) ويهاجمون كل فكرة تتلاقح مع العلم الكوني بذريعة (التغريب)، ولهذا نجد أنفسنا اليوم عالة على كل الأمم وفي ذيل أرقامها التنافسية بلا منازع. نحن مع هؤلاء لا نعيش مرحلة الوعي الأوروبي في القرن السابع عشر بل نعيش سطوة كهنوتهم في القرن الذي قبله. وللعلم فإن برتراند راسل الذي ذكر ما ورد في رأس المقال هو من كتب أن الحضارة الإسلامية كانت جسرا تاريخيا وقف شامخا لوحده في زمن الغيبوبة الأوروبية، وهو من ذكر فضل المسلمين كناقل ومساهم في الربط ما بين حضارات الشرق والغرب. هو من وقف ضد (وعد بلفور)، وشكر (آينشتاين) على رفضه عرض أول رئيس للدولة العبرية، وهو من عاش ناشطا سياسيا من أجل الحقوق العربية في الاستقلال وحق الشعب الفلسطيني في وطنه وأرضه.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط