.
.
.
.

اعتراف الحكيم ..

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

"كانت تجربتنا في الحكم صعبة ومرّة وقاسية وارتكبت فيها أخطاء، لعلّها غير مقصودة لكنها جسيمة وكادت أن تضيّع كل شيء، وكنّا نفكر بنظرية العقل المنفصل وعدم التفاعل مع الاحداث الجارية والتطورات السريعة ولم نواجهها بالمستوى المطلوب من التحدي".
هذا الكلام لواحد من أقطاب السلطة القائمة في العراق، هو رئيس المجلس الأعلى الإسلامي (الشيعي) ورئيس التحالف الوطني (الشيعي أيضاً). قاله منذ يومين في اجتماع لحزبه. إنه بالطبع اعتراف بالفشل. اعتراف وإن يجيء متأخراً أفضل من ألّا يأتي أبداً، فثمة أقطاب آخرون في السلطة لا يعترفون أبداً بأي خطأ أو فشل، أو هم يعترفون في الجلسات المغلقة وخلف الأبواب الموصدة فقط.
مثل كلام الحكيم هذا وأخفّ منه كنّا - أقصد جمهرة من الكتّاب والصحفيين والسياسيين والشخصيات الاجتماعية- نقوله ونكرر قوله دائماً على مدى أكثر من عشر سنين، لكنّ كلامنا كان يُواجه بالرفض والاستنكار، بل حتى بالتخوين، من أقطاب في السلطة، وبخاصة أقطاب التحالف الذي يقوده السيد الحكيم الآن، وبالذات ائتلاف دولة القانون الذي يشكّل الكتلة الأكبر في الائتلاف ومحتكر المفاصل الرئيسة للسلطة منذ 2005.
كنّا نقول لهم إنهم يرتكبون الأخطاء، البعض منها شنيع للغاية، وأنهم ينتهجون سياسات مدمّرة .. وبصراحة فإن ما كنا نقوله لم يكن إكراماً لعيونهم وإنما حبّاً بشعبنا ووطننا وتأدية لواجبنا المهني والوطني. الجماعة اختاروا دائماً أن يردّوا علينا بأننا معادون لهم، بل لم يتردد بعضهم ومرتزقتهم ومنافقوهم من رمينا بالتهم الجاهزة المجانية، بما فيها الكتابة والعمل لصالح الغير (الوضيع دائماً يظنّ أن الجميع وضيعون مثله، أو يرغب في أن يكونوا كذلك).
لو كان أقطاب سلطة ما بعد 2003، وبخاصة أقطاب التحالف الذي يقوده الآن السيد الحكيم، بوصفهم الكتلة الحاكمة أو الأكبر في الحكم، قد أعطونا أُذناً صاغية وتأمّلوا بروح رياضية في نقدنا لسياساتهم وتصرفاتهم، لكانوا قد وفّروا على العراقيين الكثير من المعاناة الرهيبة والمكابدة الشاقّة .. الكثير من الأرواح التي أُزهقت والدماء التي سُفكت .. الكثير من الأموال التي أُهدرت (مئات مليارات الدولارات) والأملاك التي تدمّرت.. بل لكنّا قد تفادينا كارثة احتلال داعش لثلث مساحة البلاد وكل المآسي والويلات الإنسانية التي نجمت عنها ولم تنته فصولها بعد، وبخاصة عمليات القتل والسبي والاغتصاب والنزوح والعيش في العراء. أكثر من هذا لكنّا ننعم الآن بالأمن والسلام والاستقرار والتنمية، وبالطبع لكانوا، أقطاب السلطة، قد وفّروا على أنفسهم الوقوع في الخطأ المتكرر والفشل المتواصل الذي يعترف به الآن السيد الحكيم.
اعتراف السيد الحكيم بالفشل أو الخطأ أمر مهمّ، لكن هناك ما هو أكثر أهمية من مجرد الاعتراف، وهو مطلوب الآن من الحكيم أن يحققه أو يعمل بجدّ واجتهاد لتحقيقه.

الاعتراف بالفشل أو الخطأ ممارسة ضرورية، ليس فقط لدواعٍ تتعلق بالعقلانية والحضارية، وإنما أيضاً في سبيل تدارك الفشل والخطأ مستقبلاً، ومن أجل إصلاح الخطأ المرتكب ومعالجة أسباب الفشل المتحقق.
من هذه الزاوية اجتهدتُ أمس بأنّ اعتراف رئيس التحالف الوطني، عمار الحكيم، بالفشل أو بما وصفه هو بارتكاب أخطاء جسيمة خلال الحقبة الماضية، مهم. لكن هذا لا يكفي، فهناك ما هو أكثر أهمية من مجرد الاعتراف. وهذا ما مطلوب الآن من الحكيم أن يحققه أو يعمل لتحقيقه مادام قد اختار أن يترأس الائتلاف الماسك بالمفاصل الرئيسة للحكم.
وكل المطلوب الآن من السيد الحكيم والفريق الذي سيستعين به لمأسسة الائتلاف، بحسب ما أعلن هو غير مرّة، أن يقود الائتلاف نحو التراجع عن "الأخطاء الجسيمة" ومعالجة آثارها، وكذا أسبابها.
أول هذه الأخطاء وأكبرها الدستور الناقص والمليء بالألغام، بحسب ما اعترف به رئيس الحكومة السابق ورئيس دولة القانون، الكتلة الأكبر في الائتلاف الوطني. تعديل الدستور وسدّ نواقصه استحقاق دستوري عمره عشر سنوات، إذ كان لزاماً، كما يعلم السيد الحكيم، تعديل الدستور مع نهاية العام 2006 أو بداية 2007 . التعديلات الدستورية الرازحة في أدراج مجلس النواب يتعيّن أن يُنفض الغبار عنها والدفع بها إلى خبراء أكفاء ومهنيين في القانون الدستوري وفي السياسة والاقتصاد والمجتمع ليقدموا مقترحاتهم بشأنها ومن ثم صوغها الصياغة التي بوسعها سنّ دستور لا يكون عالة وعبئاً ومصدراً للشقاق في مجتمعنا ودولتنا اللذين انهكتهما الصراعات السياسية الدامية.
ثاني الأخطاء الجسيمة اللازم وضع حدّ نهائي لها، هو نظام المحاصصة الذي اعتمدته الطبقة السياسية بديلاً عن الدستور. مئة مرة أو أكثر ذمّ فيها السيد الحكيم هذا النظام ودعا الى الخلاص منه. ومثله فعل رفاق له في الائتلاف الوطني وشركاء من الكتل والائتلافات الأخرى. والآن دقّت ساعة العمل بالنسبة للسيد الحكيم ليثبت أنه لم يكن يذمّ هذا النظام ذرّاً للرماد في العيون. عليه أن يضع رفاقه وشركاءه أمام لحظة الحقيقة.
ثالث الأخطاء الجسيمة المطلوب التراجع عنها يتمثل في القوانين التي سُنّت منذ 2003 وكرّست هيمنة أحزاب بعينها على السلطة، تجاوزاً على مبادئ الديمقراطية وحتى على أحكام الدستور الناقص والملغوم. يمكن هنا أن أخص بالذكر قانون الانتخابات وقانون الأحزاب.
رابع الأخطاء الجسيمة المرتكبة، استحواذ قوى التحالف الوطني، دولة القانون بالذات، على ما تُعرف بالهيئات المستقلة وتحويلها إلى فروع حزبية أو دوائر حكومية، وبالأخص مفوضية الانتخابات وهيئة النزاهة وشبكة الإعلام والبنك المركزي، وكذلك التعامل مع السلطة القضائية بوصفها سلطة تابعة للحكومة.
وخامس الأخطاء الجسيمة التي من المفترض أن السيد الحكيم قد عناها في اعترافه،وهو ليس بآخرها، السكوت على التجاوزات الخطيرة التي مارستها حكومات التحالف الوطني بتعيين مسؤولين كبار في الدولة، مدنيين وعسكريين وأمنيين، بالوكالة لتجنّب عرضهم على مجلس النواب. هذا الخطأ بالذات بالترادف مع نظام المحاصصة هو ما كان في أساس التفشي السافر والمتفاقم للفساد الإداري والمالي الذي عصف بأركان الدولة والمجتمع، وهو فساد مارسه الجميع، باستثناءات نادرة للغاية، وكانت للتحالف الوطني فيه حصة الاسد بوصفه المستحوذ على العدد الأكبر والمواقع الأهم من المناصب العليا في الدولة.
إنْ لم يعمل السيد الحكيم من أجل هذا كله، فإن كلامه عن الأخطاء الجسيمة سيذهب هباءً مثل هواء في شبك.

*نقلاً عن "المدى" العراقية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.