.
.
.
.

الغرام البعثي بالموت الجماعي (هولوكوست حلب نموذجا)

فاضل السلطاني

نشر في: آخر تحديث:

من فضائل البعثيين التي من الصعب أن ينكرها المرء أنهم يفعلون ما يقولون. قالوا عام 1968 في العراق إنهم سيتركون الأرض بلا بشر. وفعلوا. امتلأت الأرض بأكثر 500 مقبرة جماعية، ودفن فيها أكثر من نصف مليون قتيل، وهاجر منها نحو أربعة ملايين إنسان إلى المنفى. وفي حلبجة كردستان العراق، تبخر عام 1988 أكثر من خمسة آلاف إنسان في لحظات، بغاز الخردل والسارين. البعثيون يحبون الحصاد الجماعي.
قال العالم حينها إنها الجريمة الأسوأ في القرن العشرين. وصرح عالم الاجتماع البريطاني الأشهر أريك هوبزباوم أنه كره القرن العشرين، الذي يستخدم فيه حاكم السلاح الكيماوي ضد شعبه. كانت المرة الأولى عام 1915 في الحرب العالية الأولى حين استخدم الجيش الألماني، في عهد فيلهلم الثاني، غاز الكلور فقتل 15 ألف جندي من جنود الحلفاء دفعة واحدة. والآن، وبعد أكثر من قرن من التقدم البشري والحضارة وحقوق الإنسان وثورة المعلومات والتطور التقني الهائل الذي توجه بالبراميل المتفجرة، نرى حاكما آخر، في القرن الواحد والعشرين، لم يكتف بقصف شعبه بالغاز الكيماوي مرة واحدة أو مرتين أو ثلاثا، بل تحول ذلك إلى فعل روتيني. وماذا تريدون أن يفعل غير ذلك؟ يلقي عليهم البالونات الملونة؟ أم الحلوى؟ ولماذا لا يفعل ذلك في عالم يقول ما لا يفعل. كان على هوبزباوم أن ينتظر ليكره قرنين كاملين.
حاكم آخر، عربي أيضًا. صار عندنا حاكمان عربيان وطنيان مقابل حاكم واحد أجنبي في تاريخ البشرية كلها.
أرض بلا بشر مرة أخرى. وماذا يفعل هؤلاء أساسا بالبشر؟ لا حاجة لهم. أمامنا الآن شاهد آخر، ما يزال طازجا طزاجة الدم، إذا استثنينا الشواهد الأخرى، التي صارت عتيقة، فذاكرتنا أوهى من خيط عنكبوت. أمامنا الآن هولوكوست حلب.. هولوكوست لا يراه أحد، ولا يسمع أزيز نيران أفرانه أحد. والقاتل تزداد ابتسامته بلاهة، أكثر من بلاهة العالم كله.
لترحل حلب إلى أرض أخرى. نريدها بلا بشر، كما رحلت داريا من قبل، والمعضمية وحي الوعر.. وسوريا كلها.
حاصر نابليون موسكو 1812. ثم دخلها، لكنه لم يجد شيئا سوى الخراب والأرض المحروقة. فعاد من حيث أتى. ماذا يفعل بأرض بلا بشر؟
كيف يمكن أن ينتصر المرء على أرض جرداء، على أحجار متساقطة، وأشجار منزوعة عنها أغصانها، وطيور ميتة في أوكارها، وقبور مهجورة لا يزورها أحد؟ من يريد أرضا كهذه؟
كان الروائي الأردني غالب هلسا يطلق على صدام حسين لقب «عاشق الموت». وعشاق الموت كثيرون في التاريخ العربي، وأخطرهم أولئك الذين شاءت الصدف أن يتحكموا برقاب البشر، من الحجاج، إذا ذكرنا أمثلة فقط، إلى صدام حسين إلى الأسد الأول والثاني. ولكي نكون منصفين، لا بد أن نسجل للثاني تفوقه على أسلافه، حتى على أبيه، في عشقه للموت، وبشكل خاص موت الأطفال، قبل أن يصيروا رجالا غليظين. «أرض بلا بشر» درس تعلمه الأسد وحفظه جيدا في مدرسة البعثيين، الذين أثبتوا حقا أنهم أوفياء لأساتذتهم النازيين.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.