.
.
.
.

كنز طعام الباحثة العربية

محمد عارف

نشر في: آخر تحديث:

الطبخ، يقول الفرنسيون، كالحب ينبغي أن تنغمس فيه أو لا تقربه أبداً، ولا أحد ينغمس في تأليف وترجمة وتحقيق عيون كتب الطبخ العربي كالباحثة نوال نصر الله. وكتابها الجديد «كنز الفوائد في تنويع الموائد» الذي يقع في 422 صفحة من القطع المتوسط كنزٌ في ترجمته للإنجليزية، وكتابة بحث عنه في نحو 20 ألف كلمة. وإذا كان الطبخ «نَفَساً» كما يقول العراقيون، فتحقيق الباحثة هذا الكتاب «نَفَس» طيب طويل، من دونه لم يكن ممكناً معرفة أن مؤلفه المجهول مصري من العصور الوسطى، ولما اطّلعنا على أشهى وصفات مطبخ ذلك الزمان، ونوادره وحكايات الطعام، وأسواقه ومطاعمه في القاهرة، وتعليم أصوله وثقافته للفتيات «جوارٍ طباخات أصل تعليمهن من قصور الخلفاء الفاطميين، بعضهن يعرفن 80 طبخة من التقلية» حسب المقريزي، أبرز مؤرخي مصر في القرن الرابع عشر الميلادي.

صدرت طبعة الكتاب العربية المحققة الأولى عام 1993 بدعم «وزارة الأبحاث العلمية والتكنولوجية» في ألمانيا الاتحادية، وندرك مستوى عيش المصريين في القرون الوسطى من وصفات الطعام «من الحلو والحامض والساذج والمقلي والمَشوي وأصناف عمل الحلوى وأعمال السمك وأصناف المخللات والمُخردلات، والمشروبات من سائر أصنافها والمهضمات، وأعمال الطيب والصابون المطيب والبخورات وأدوية العرق، ثم أذكر اذِّخار الفواكه وخزنها إلى غير أوانها»، ويضاهي المؤلف المجهول مؤلفي كتب الطبخ الحديثة بذكر «وصايا يلزم الطبّاخ معرفتها» تراوح ما بين «اللباقة، وقص أظافره ولا يتركها تطول فتجمع الأوساخ»، وأنواع القدور الصالحة لكل طبخ والحطب المستخدم في طبخه «كحطب الزيتون الجاف والسنديان والدفلى» وأنواع الملح والمطيبات والمتبّلات، وطرق إعداد وطبخ مختلف قطع اللحم، وما صلح منها لكل طبخ، و«افردْ لكل قدر مغرفة، وللبصل سكيناً لا تقطع بها شيئاً غيره»، و«اغسل يدك قبل الغرف وبخِّرها من رائحة البصل».

وإذا كانت الأنثروبولوجيا أكثر العلوم إنسانية، وأكثر العلوم الإنسانية علمية، فأنثروبولوجيا الطعام أكثر العلوم إنسانية بكل معنى، وأكثر العلوم الإنسانية علمية بكل معنى أيضاً، ذلك لأن علوماً عدة تشارك في صنع الطعام، من الكيمياء والفيزياء والبايولوجيا وحتى الطب، وعلوماً إنسانية عدة تشارك في صنع الطعام، من الأمن الغذائي، والطبخ، وأدوات عرضه وتناوله، وتنظيم ولائمه، وكلاهما، علوم وفنون الطعام يحدثان حالياً ثورة لا مثيل لها في التاريخ، يمكن رؤيتها في آلاف برامج الطبخ التلفزيونية حول العالم، وملايين نسخ المطبوعات الخاصة بجميع أنواع الطبخ، وعلومه، وفنونه.

وأول كتب نوال نصر الله «لذائذ جنات عدن» الذي يقع في نحو 650 صفحة من القطع الكبير استهلته بمنظورها الأنثروبولوجي للطعام العراقي، الممتد جذوره عبر الحضارتين العالميتين السومرية والعربية. «العراق الواقع على ملتقى ثقافات عدة شرقية وغربية يملك مقومات المجتمع متعدد الثقافات. ولا مكان يُرى فيه هذا التعدد الثقافي بوضوح كشارعنا الصغير في بغداد حيث ترعرعتُ. إنه حي طبقة متوسطة تصطف على جانبيه أشجار اليوكاليبتوس، وفي الربيع تضوع في الحي كله روائح زهور الأشجار الحمضية المزروعة على امتداد الأسيجة، وهذه الأماكن الظليلة تجتذب كالمغناطيس الأطفال، حيث اعتدنا على اللعب والمعاركة، والتصالح، ورواية الحكايات والدردشة حول كل شيء وأي شيء، ومع اقتراب موعد الغداء، وقت وجبة اليوم الرئيسية، نشرع بلعب حزورة، فيما أكثر روائح الطعام السارة تتسرب من القدور، وتنتشر عبر شارعنا، وغالباً ما تكون هناك رائحة واحدة متميزة لطبق خاص، ونعرف أن أحدنا ستستدعيه أمه لتوزيع هذا الطبق على الجيران، وكالعادة دائماً لا يليق إعادة صحن الجيران فارغاً، وهكذا سيُعادُ بصحن مماثل قد يساويه، إن لم يكن ألذة منه»!

*نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.