سجال حول «بيريز»

إبراهيم البحراوي
إبراهيم البحراوي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

لم تمر جنازة شمعون بيريز رئيس دولة إسرائيل الأسبق مروراً هيناً، فقد صحبها جدل صاخب ليس فقط في المجتمع الفلسطيني والصحافة المصرية والعربية وهو موضوعنا، بل وأيضاً في المجتمع والصحافة الإسرائيليين وهو موضوع مؤجل. البعض في العالم العربي ركّز على الجانب السلبي وهو دور الرجل كتلميذ لبن جوريون المؤسس الفعلي لإسرائيل في مرحلة تأسيس الدولة الصهيونية، بكل ما احتوت عليه من جرائم تشريد الشعب الفلسطيني، وقرر هذا البعض أن يلغي دور الرجل في وضع بذرة التسوية السياسية في اتفاقية أوسلو عام 1993، وأن يقفز إلى مسؤوليته الجنائية كمجرم حرب عن مذبحة قانا في لبنان عام 1996 عندما شغل منصب رئيس الوزراء في أعقاب اغتيال رابين. البعض الآخر في عالمنا العربي ركّز على الجانب الإيجابي وقرر التقليل من أهمية هذه الجريمة والتركيز على دور «بيريز» كمهندس لأوسلو، وحشد هذا البعض أقوالاً صدرت عنه في السبعينيات وفي العقد الأخير ببروز صورته كداعية للسلام. من هذه الأقوال قوله من المستحيل أن تحكم شعباً رغم إرادته، وإن الشعب اليهودي لم يخلق لكي يحكم شعباً آخر، ولابد من من الاعتراف بكرامة الشعب الفلسطيني الذي يستحق المعاملة كغيره من البشر، وأن الأمن الإسرائيلي سيكون مضموناً أكثر مع وجود دولة فلسطينية تعيش مع إسرائيل في سلام. أعتقد أن الجانبين السلبي والإيجابي معاً يكونان شخصية الرجل ويجسدان وجوهاً من تكوينه الوظيفي والفكري الذي قد يبدو متناقض الجوانب، فهو تلميذ في مدرسة الصهيونية الاشتراكية التي جمعت بين نظريتين: الأولى حتمية قمع العرب وتشريدهم لضمان أمن إسرائيل وحماية أطماعها كما فعل بن جوريون عام النكبة الفلسطينية 1948 والنظرية الثانية التي أمنت بها وطبقتها مدرسة الصهيونية الاشتراكية - بعد حرب أكتوبر 1973 التي عصفت بالأمن الإسرائيلي - ممثلة في أحد أقطابها «موشيه ديان» هي نظرية اتقاء الخطر العربي بعقد اتفاقات سلام مع العرب تتضمن الحد الأدنى الذي يقبله العرب من التنازلات الإسرائيلية. لقد طبق «بيريز» هذه النظرية في أوسلو بتعليمات من رئيس الوزراء «رابين» وحرص على إبقاء الاتفاق في الحد الأدنى الممثل في إنشاء سلطة حكم ذاتي فلسطيني في أجزاء من الضفة مع عدم الاعتراف بدولة فلسطينية أو التنازل عن المستوطنات بالضفة، والتي كان أحد آبائها الروحيين في السبعينيات.

نقطة أخرى أثارت الجدل في الصحافة العربية والمجتمع الفلسطيني، وهي تلك الصورة التي وزعتها الصحافة الإسرائيلية للرئيس الفلسطيني محمود عباس وهو يغطي وجهه بيده وكأنه يبكي على رحيل بيريز. لقد رأى البعض أن عباس قد ساهم بهذه اللقطة في تقديم صورة مجملة لدولة الاحتلال وكأنها دولة تضم صناع سلام بين رؤسائها في حين رأى البعض الآخر أن عباس كان بالفعل حزيناً لفقد رجل عمل مع الرئيس عرفات على عملية أوسلو. هذا في حين أنني أعتقد أن عباس يتمتع بحنكة كافية، وأنه أراد بهذه الطريقة -التي كان يعلم أنها ستصور من جانب الصحافة وهو يجلس في الصف الأول - أن يرسل رسالة إلى شرائح المجتمع الإسرائيلي يقول فيها لا تصدقوا نتنياهو وزمرته اليمينية المتطرفة عندما يدعي أنني لست شريكاً راغباً في السلام، فها أنتم ترون مدى حزني على زعيم إسرائيلي أظهر اهتمامه بصنع السلام معنا في أوسلو، وإنني مستعد لاستكمال هذا السلام وضمان أمنكم إذا انتخبتم رجالاً مثل بيريس لديهم الحد الأساسي من الفهم لقيمة السلام بالنسبة لنا ولكم.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.