.
.
.
.

تونس ليست نموذجاً للدعاية

محمد الحدّاد

نشر في: آخر تحديث:

بعد زيارته الأخيرة للولايات المتحدة الأميركية، عبّر الرئيس التونسي عن حيرته أمام ما اعتبره مفارقة: ففي حين يتقبّل العالم بإيجابية وحماسة التجربة التونسية، فإن التونسيين يعيشون حالة شديدة من الخوف والإحباط والوجل من المستقبل، بل لدى عدد متزايد منهم حسرة على عهد مضى.

الرئيس التونسي حظي في زيارته الأخيرة بما لا يتوافر عادة لممثل بلاد واحدة: سلسلة من اللقاءات مع أكبر زعماء العالم ومنهم باراك أوباما، واجتماعات مع ممثلي أهم الهيئات المالية العالمية. كانت ثمة رغبة واضحة من القوى الغربية في تسويق تونس على أنها نموذج نجاح قابل للتعميم في منطقة الشرق الأوسط. لكن في الآن ذاته، نجد كلّ التقارير الرسمية الصادرة عن تلك الدول والهيئات تؤكد تراجع تونس في كل المجالات الحيوية، من اقتصاد وأمن وسياحة وتوازنات مالية ومديونية وقيمة تنافسية وبيئة وهلم جرّا.

المواطن التونسي لم يعد يهتمّ كثيراً بما يقوله أوباما أو صندوق النقد الدولي، إنما يعنيه واقعه المعيشي اليومي الذي تدهور من دون شكّ، وعلى أصحاب السلطة أن يتذكّروا أن الحكم والمرجع ما يقوله المواطن وما يشعر به، أما الشكر والتمجيد فكانا يغدقان من دون حساب على العهد السابق إلى ما قبل انهياره بأشهر. والأهم من ذلك أن يدفعوا الحماسة الغربية للتجربة التونسية إلى التحول من القول إلى التنفيذ، ومن الكلام إلى الفعل. فكلّ ما يقال عن المساعدات المالية مثلاً كان في الغالب في شكل قروض، قد تكون ميسّرة أحياناً، لكنها تظلّ قروضاً دفعت إلى ارتفاع خطير للمديونية تجاوز الضعفين في خمس سنوات لا غير، بما يترتب على ذلك من ارتهان القرار الوطني بظروف التسديد الصعبة، فضلاً عن كون هذه الديون لم تحسّن شيئاً في البنية الاقتصادية ومشاكلها العالقة، ولم تنهض بالمناطق البائسة، ولم ترفع نسب التشغيل لدى الشبان، ولم توفّر الاستثمارات المنشودة، ولم تخفّض نسب البطالة بين الشبان وأصحاب الشهادات العلمية. بل إنها لم تساهم في تحسن حقيقي للمقدرة الشرائية للمواطنين على رغم الزيادات العديدة في الأجور التي ابتلعتها نسب التضخم المرتفعة.

أجل، قدّمت تونس تجربة مثيرة من ناحية السياسة والحريات العامة، إذ ضمنَ الوفاق الوطني تجنب العنف أو العودة إلى مربع البداية، ويظلّ سقف الحريات العامة مرتفعاً حتى الآن. لكن ذلك لا يكفي، فلا بدّ من طفرة اقتصادية حقيقية وفي أقرب وقت، فالمواطن العادي لا تهمه النقاشات السياسية ولا الحريات الصورية ما لم يتغير واقعه اليومي. وإذا كانت هناك إرادة حقيقية لتثمين التجربة التونسية ودعم حقيقي من الغرب لها، فليترجما في برامج اقتصادية واضحة تنهض بالبلد وتنمي مقدراته الداخلية والخارجية.

أما إذا كان المقصود بهذا الاحتفاء الترويج السياسي لأغراض أخرى تتصل بمستقبل المنطقة وتصورات القوى الغربية لطرق إعادة ترتيب أمورها، فإن ذلك لن يفيد التونسيين في شيء، بل سيضرّ بهم إذا حشروا في قضايا لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مثلما حصل سابقاً عندما أرسل آلاف الشبان منهم للقتال في سورية، فدفعت تونس ثمناً باهظاً لارتدادات الوضع السوري عليها، ومنه انتشار الإرهاب، في حين تنصّل المسؤولون الحقيقيون من مسؤولياتهم الثابتة.

قبل أن تكون تونس نموذجاً أو لا تكون، ينبغي أن تكتمل شروط نجاح تجربتها، وبما أن لبّ الموضوع كان اجتماعياً منذ البداية، وأن احتجاجات عام 2010 وما بعده كانت لأسباب تتصل بالفقر والبؤس والحيف والفساد، فإن النجاح الحقيقي يقاس بما يبلغه البلد من نجاح في التخلص من هذه الآفات. وستتوفّر في نهاية الشهر المقبل (تشرين الثاني - نوفمبر) فرصة نادرة لتوجيه رسالة قوية للمجتمع الدولي والقوى الغربية، وذلك لمناسبة المؤتمر الدولي للاستثمار في تونس الذي سيكون بمثابة مؤتمر مانحين دون الاسم، تحضره الشخصيات السياسية والمالية العالمية النافذة، ويعهد إليه بالتعبئة الدولية للمساعدات والمشاريع للخروج بالبلد من الأزمة الخانقة. وثمة حديث يدور في الكواليس عن إمكان إعلان ما يشبه خطة مارشال لدفع الاقتصاد التونسي، وثمة وعي لدى الغربيين بأن انهيار تونس سيعني تدفّق الآلاف المؤلفة من اللاجئين الأفارقة وغيرهم عبر السواحل التونسية التي لا يبتعد بعضها عن إيطاليا أكثر من بضع عشرات الكيلومترات.

هل ستنجح السلطات التونسية في الاستفادة من هذا الحدث لوضع النقاط على الحروف وتحويل الدعاية إلى فعل؟ هل يوضع حدّ لسياسة الأيادي المرتعشة التي سلكتها الحكومات المتعاقبة منذ 2011؟ هل سنسمع رسالة واضحة توجه إلى القوى الغربية مفادها أن تونس ليست موضوعاً للدعاية ولا نموذجاً لأحد؟

لا أفضل من هذه الفرصة لتحديد اتجاه السير وضبط الأهداف بوضوح. ونحسب أن هذا المؤتمر سيكون لحظة فاصلة بين أن يترك للدعاية والثرثرة أو يجعل لحظة للحسم، بين أن يكون لمصلحة البلد أو أن يضاف إلى قائمة المبادرات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

ينتظر التونسيون ربيعاً اقتصادياً في بلدهم، ولا رغبة لديهم في أن يكونوا موضوع دعاية لموجة ثالثة مفترضة للربيع العربي الموهوم أو مرحلة من مخطّط إعادة رسم المنطقة. هذا ما يجمع عليه التونسيون وهذا ما يتعين على السلطات أن تعلنه على رؤوس الملأ وبكل صراحة، لمناسبة هذا المؤتمر.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.