.
.
.
.

مراجعة فكر «البنا» واجبة

محمد حبيب

نشر في: آخر تحديث:

كان إنشاء التنظيم الخاص أو السرى للإخوان فى أواخر الثلاثينيات من القرن الماضى لمواجهة عصابات بنى صهيون التى كانت تتدفق على أرض فلسطين، لكن التنظيم الخاص تورط فى بعض عمليات الاغتيال؛ كاغتيال القاضى الخازندار، والنقراشى رئيس الوزراء ووزير الداخلية آنذاك، وتفجير محكمة باب الخلق، فضلا عن أعمال كثيرة يضيق المجال عن ذكرها.. فى تلك الفترة، كانت الظروف والأوضاع السياسية فى مصر ملبدة بكثير من الغيوم..

أولا: الحياة الحزبية كانت تعج بالفساد، والصراع بين الساسة والأحزاب بلغ درجة غير مسبوقة من الإسفاف والتجريح، علاوة على استخدام العنف والاغتيال.. وثبت أن التشكيلات العسكرية لم يبتدعها الإخوان ولم ينفردوا بها، فقد كان لحزب الوفد تنظيمه العسكرى (القمصان الزرقاء)، ولحزب مصر الفتاة تنظيمه العسكرى أيضا (القمصان الخضراء)، وللإيطاليين المقيمين فى مصر تشكيل شبه عسكرى (القمصان السوداء)، وكان للملك فاروق نفسه تنظيمه العسكرى (الحرس الحديدى)..

ثانيا: إن الجماهير كان يسودها التعصب الأعمى، والعواطف المشبوبة، والمشاعر الهائجة دون محاولة للفهم أو الوعى.. ولعلنا نتذكر تلك المظاهرات العارمة فى طول البلاد وعرضها، وهى تهتف قائلة: «الاستعمار على يد سعد، ولا الجلاء على يد عدلى»..

ثالثا: إن القوات البريطانية كانت مرابطة على ضفاف القناة، وتستطيع أن تتحرك إلى أى مكان تريد فى مصر.. كما كان للسفير البريطانى «لامبسون» (الحاكم الفعلى) سطوته على القصر، بل على الحياة الحزبية والسياسية المصرية آنذاك.. وأظن أن مأساة ٤ فبراير عام ١٩٤٢، مازالت عالقة فى الأذهان، فحينما رفض فارق إنذار «لامبسون» بأنه سيتحمل تبعات ما يحدث إذا لم يقم بتكليف «النحاس» بتأليف الوزارة، قام لامبسون فانتزع الموافقة بالقوة، وذلك بمحاصرة قصر عابدين واقتحام القصر بمرافقة قائد القوات البريطانية وتخييره للملك بين التوقيع على التنازل عن العرش أو استدعاء النحاس لتشكيل الحكومة، فوافق الملك على المطلب الثانى.. رابعا: أن الملك فاروق، وهو رأس الدولة، كان يمثل أحد رموز الفساد وحياكة المؤامرات..

ويكفى الحرس الحديدى الذى كان مسؤولا عن اغتيال المعارضين السياسيين.. وقد ذكر الضابط «سيد جاد الله» أحد أعضاء التنظيم الكثير فى كتابه (أسرار الحرس الحديدى)، فليرجع إليه من شاء.. كان «البنا» يعلم كل ذلك، ويعلم أن بريطانيا لها تأثيرها القوى والنافذ فى مصر، وأنها لن تمكن الإخوان من الوصول إلى سدة الحكم، وأنها سوف تقف عقبة كأداء أمام ذلك، ولو أدى الأمر إلى استخدام القوة العسكرية.. فهل كان «البنا» يقصد استخدام قوة الساعد والسلاح فى مواجهة المحتل، أم مواجهة التنظيمات العسكرية التابعة للأحزاب، أم الحرس الحديدى للملك؟ فى رسالة «المؤتمر الخامس»، يقول «البنا»: «هل فى عزم الإخوان المسلمين أن يستخدموا القوة فى تحقيق أغراضهم؟» فيجيب قائلا: «إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدى غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء، وسينذرون أولا، وينتظرون بعد ذلك، ثم يقدمون فى كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح». والسؤال هو: ألا يعطى هذا أى جماعة أخرى الحق فى الوثوب إلى السلطة متى امتلكت وسائل القوة؟!

وما هو الوضع الذى يمكن أن تؤول إليه الدولة، إذا حدث ذلك؟! من العجيب أنه فى نفس الرسالة، يقول «البنا»: «يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستورى هو أقرب نظم الحكم القائمة فى العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظاما آخر»..

والسؤال مرة أخرى هو: كيف يستقيم الحديث عن «قوة الساعد والسلاح» مع الحديث عن «نظام الحكم الدستورى»؟ وهل كان فى الدستور المصرى - حينذك - ما يفيد إعطاء حزب أو جماعة الحق فى استخدام السلاح للوصول إلى السلطة، مهما كانت الحكومة القائمة، ظالمة أو مستبدة أو فاسدة؟ اللهم لا.. وألا يدل ذلك على تناقض فى فكر «البنا»؟.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.