«دانتي» لفرانتز ليست: الغوص في جوّانيات شاعر النهضة الإيطاليّة

ابراهيم العريس
ابراهيم العريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

منذ أزمان موغلة في البعد، تغري «الكوميديا الإلهية» لشاعر إيطاليا النهضوي دانتي، كبار الفنانين والأدباء بالاقتراب منها، استيحاءً أو محاكاةً، أو حتى في محاولات لترجمتها الى أصناف أخرى من الفنون. ومن المعروف أن الفن التشكيلي، منذ عصر النهضة وصولاً الى غوستاف دوريه في القرن التاسع عشر، وسلفادور دالي في القرن العشرين - مروراً طبعاً بذلك الشاعر/ الرسام الرؤيوي الإنكليزي ويليام بليك الذي «أعاد خلق» نص دانتي في مجموعة مدهشة من رسوم قلّده فيها رسامون وكتاب كثر في العالم، من بينهم اللبناني جبران خليل جبران -، إذا جرّب الفن التشكيلي حظه مع «الكوميديا الإلهية» ونجح، على عكس فنون أخرى لم يحالفها التوفيق نفسه. ومرد ذلك بالطبع، صعوبة الدنو من عمل يستغرق مئات الصفحات وتنتشر «أحداثه» في تلك الأماكن البعيدة البعيدة، ويكاد يكون بعده الجوّاني أكثر ثراءً من بعده البرّاني. ومن هنا، ظلت «الكوميديا»، مثلاً، عصيّة على المسرح وعلى الأوبرا، ثم، في أزمان أقرب إلينا، عصيّة على السينما - وحتى حين شرع البولندي كريستوف كيشلوفسكي، في العمل لتحويل نصّ الكوميديا الى ثلاثية سينمائية كتب لها سيناريو اعتبره كثر مقنعاً وجديداً من نوعه، رحل عن عالمنا من دون أن يحقق المشروع، كأن ذلك النصّ بقي مصراً على الغياب عن الشاشة! -. غير أن الموسيقى الأوركسترالية، لا المسرحية/ الأوبرالية، لم تجابه بتلك الصعوبة نفسها، ومع هذا كان نادراً جداً اقتراب هذا الفن التجريدي الخالص، من عوالم الما - وراء الدانتية. وحده المجري فرانتز ليست حقق، الى حد علمنا، ذلك الاختراق، واضعاً عملاً كبيراً، من الغريب أنه يكاد يبدو اليوم منسياً الى حد ما. وربما يعود هذا النسيان الجزئي الى غلبة أعمال أقل كلاسيكية وأكثر شعبية وربما فولكلورية أيضاً على «ريبرتوار» صاحب «الرابسودية الهنغارية».

على رغم هذا، كان عمل ليست المقتبس من «الكوميديا الإلهية» هو نتاجه الأشهر خلال النصف الثاني من أربعينات القرن التاسع عشر، حين تجاوز المؤلف بداياته الخجولة بعض الشيء، ليلج مصاف الكبار. وبالنسبة إليه، حينها، لم يكن ذلك الولوج ممكناً من دون الاستناد الى كبار آخرين حقيقيين. وهكذا ما إن وجد في طريقه عملين أدبيين كبيرين يعتبران من شوامخ النصوص الأوروبية، حتى اندفع نحوهما من دون وجل أو تردد. حدث ذلك أواسط الأربعينات من ذلك القرن، إذاً، وكان ليست بالكاد تجاوز الثلاثين من عمره... لكنه لن يقدم على التنفيذ الفعلي للعملين المرتبطين بالنصين المذكورين، إلا بعد ذلك بعشرة أعوام حين كانت عدته الفنية والتقنية قد اكتملت و... حسناً فعل.

العملان المعنيان هنا، هما «الكوميديا الإلهية» لدانتي، كما أشرنا، ثم «فاوست» لغوته. وكان لافتاً أن العملين يتّسمان معاً، بطابع تأملي فلسفي وربما ميتافيزيقي أيضاً، ما شكّل، في الوقت نفسه، تحدياً للموسيقي، وعوناً له أيضاً، طالما أن الموسيقى في ذلك العصر الذي غلبته الرومانسية كانت، أيضاً، مكاناً يمكن الأبعاد الروحية أن تتجلى فيه. فهل كان يمكن الروح أن تجد لنفسها تجلياً أروع مما يتيحه لها نص غوته، ونص دانتي؟

هكذا، إذاً، انطلق ليست في تأليفه الموسيقي المستوحى من العملين. وإذا كنا هنا سنتوقف فقط عند «الكوميديا الإلهية»، فإن هذا لا يعني عدم وجود تواصل وتشابه - جوّاني - على الأقل بين العملين. كل ما في الأمر أننا نتحدث عن الكوميديا الإلهية، لأن «فاوست» غوته يستأهل حديثاً مستقلاً آخر. والعمل الذي استوحاه فرانتز ليست من رائعة دانتي، أطلق عليه موسيقياً اسم «دانتي - سيمفونية»، وهو جاء في نهاية الأمر على شكل قصيدة سيمفونية، اعتبرت دائماً - وأيضاً - الى جانب «فاوست»، أبرز عملين طبّق فيهما فرانتز ليست نظريات موسيقية كان أعلنها، مركزاً على الملاءمة فيها بين رومانسية متخمة بالأبعاد الروحية وكلاسيكية تحاول أن تدنو من الواقع والحياة نفسيهما. والحال أن نقاداً كثراً رأوا في العملين، وربما خصوصاً في «دانتي- سيمفونية» مبالغة في التطبيق للنظرية تضع العمل ككل في خانة شبه أكاديمية، غير أن الجمهور العريض الذي احتفل بهذا العمل وأحبه منذ البداية، كان له رأي آخر: رأى في العمل تحفة من طراز نادر. وهو ما عاد النقاد والمؤرخون ليؤكدوه بعد نسيان طويل.

منذ البداية، كان ليست مدركاً الصعوبات التي تمثلها الترجمة الموسيقية لعمل من طراز «الكوميديا الإلهية»، حتى وإن كان المنطق يفرض عليه بالطبع، أن يكتفي بالتعاطي مع فصول قليلة ومحدودة من ذلك العمل الفسيح. ومن هنا، نراه يحاول هنا، بدلاً من التحقيب، خوض لعبة توليف واضحة بين المواقف والفصول تختصر النصّ ومساره، لتتوقف عند ما هو أساسي. وعلى هذا النحو، قسم ليست القصيدة السيمفونية هذه الى ثلاثة أجزاء، سندرك لاحقاً، أن الاثنين الأخيرين منها، مرتبطان ببعضهما بعضاً. أما الجزء الأول، ويحمل طبعاً عنوان «الجحيم»، فإنه لُحّن على شكل ثلاثية، تبدأ بمقدمة هي أشبه بمدخل الى العمل ككل، أتى قوياً ومفعماً بالبعد الدرامي، انطلاقاً من استخدام كلي الحضور، للآلات النحاسية التي حددت «التيمة» الأساسية للعمل. وبعد ذلك المدخل، تتحول الموسيقى الى بعد غنائي عاطفي يجسد أمامنا حكاية الغرام بين باولو وفرانشسكا، قبـل أن تـنـتـقـل بـعـد ذلك وفـي شكل عـاصف الى خـاتمة ذلك القـسم المثلث.

بعد «الجحيم» يأتي فصل «المطهر» بالطبع... وهنا بدا من الواضح أن ليست يريد أن يلج استراحة معينة يصور فيها هدوء الأرواح وقد أدركت أنها باتت شديدة القرب من أبواب الفردوس. وأن لا شيء يمكنه منذ تلك اللحظة العودة بها الى الجحيم... وهكذا يبدأ هذا القسم بلحن رزين يقدم خصوصاً من طريق آلات النفخ (الكورات، والأوبوا، مع إطلالات للكلارينت أتت دائماً ممهدة لتدخل الآلات الوترية). والحال أن هذا التدخّل كان بدوره لفسح المجال أمام ألحان شديدة العذوبة والهدوء تغرق السامع في أحلام ما ورائية مدهشة... وإذا كانت هذه الألحان تتزامن وتتقاطع متعددة، فإن لحناً واحداً منها سرعان ما يتجلى وحيداً مؤكداً ذاته وحضوره على حساب الألحان الأخرى. وهذا اللحن هو المسمى «ماغنيفيكات» والذي يتّسم بطابع ديني أحياناً، ويستخدم كثيراً في الأوراتوريو. أما هنا فإنه، سرعان ما يسمح بظهور الكورس من دون سابق إنذار ليندغم نشيد هذا الكورس في البعد السيمفوني اللاجئ الى دمج الآلات كلها في بوتقة لحنية واحدة. وهذا يمهد بالطبع للقسم الأخير من العمل، حيث تبدو الموسيقى أكثر هدوءاً وجلالاً، ما يختتم العمل كله على آفاق وجدانية روحية تذكّر بأجمل ألحان باخ الدينية.

إذاً كان ليست، في بعض أعماله، قد توجه الى الأدب يستلهمه، فإن هذا يجب أن يذكّرنا بأن حياته نفسها، هو الذي عاش بين 1811 و1886، كانت تبدو طالعة من عمل روائي ينتمي الى القرن الذي عاش فيه، بكل ما شهدته تلك الحياة من أجواء رومانسية ودرامية. فهو قدم أول حفل له حين كان في التاسعة، ثم التقى بيتهوفن وهو في الثانية عشرة، وأثار إعجابه الى درجة أنه بعد تقديم عزف له في فيينا، صعد بيتهوفن الى المسرح وعانقه. ومنذ تلك اللحظة بدأت شهرته تكبر، وراح يجول بين المدن الأوروبية، عازفاً، مؤلفاً وعاشقاً... وأنجب ثلاثة أطفال قبل أن يدخل ديراً في روما ويدرس اللاهوت.

أبدى ليست دائماً إعجاباً كبيراً بباغانيني، ما جعله يرغب في أن يكون بالنسبة الى آلة البيانو ما كانه المعلم الإيطالي بالنسبة الى آلة الكمان. وكان لهذه الرغبة أثر في طغيان شهرته كعازف على شهرته كمؤلف... ومع هذا، فإن التاريخ حفظ له مكانته كواحد من كبار مجددي الموسيقى الرومانطيقية، هو الذي معه ولد ما سمي لاحقاً «القصيدة السيمفونية». وعُرف ليست لاحقاً بمساعدته كل زملائه الموسيقيين حين تواجههم صعوبات، وكان من بينهم فاغنز الذي ارتبط معه بصداقة، لا سيما في بايروث التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة.

نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط