.
.
.
.

جاستا البطـة العرجـاء

رقية بنت علـي الزميـع

نشر في: آخر تحديث:

صـوَّت الكونغرس الأميركي برفـض النقض الرئاسـي " فيتـو" الذي استخدمه الرئيس الأميركي باراك أوباما، لعرقلـة مشـروع قانـون "العدالة ضد رعـاة الإرهـاب – جاستا".

بنظـرة تاريخيـة خاطفـة على النظـام السياسـي في الولايات المتحـدة الأميركيـة، نجـده يعتمد على نظـام فصـل السلطات، قضـائي (المحكمة العليـا وتفرعاتها) التنفيـذي (الإدارة ، أو البيت الأبيض، مقـر الرئيس)، والتشـريعي (الكونغرس بمجلسيه: النـواب، والشـيوخ (السـنت).

يتقاسـم أعضـاء الحزبيـن الرئيسـيين في الولايات المتحدة الجمهوريين، ويُرمز لهـم بالفيـل، والديمقراطيين، ويُرمز لهـم بالحِمـار، مقاعـد المجلسين، وتتحكـم الأكثرية المنتخبة من أعضاء الحزبين بالسيطرة على القرارات التي يتخذها، فإن كانت الأغلبية للحزب الحاكم فإن مصير القرارات التي تتم بالتصويت التمرير بسهولة وتُعتبر قانوناً فيدرالياً مُلـزِماً للإدارة التنفيذية والمحاكم وكافة الولايات.

إمـا إذا كانت السيطرة للحـزب غير الحاكـم فإن مصير هذه القرارات يلاقي صعوبة كبيرة في التمريـر والتنفيـذ. وتلعـب مجموعات الضغط من اللوبيات ومجموعات الشركات الكبرى وأصحاب المصالح وغيـرها من منظمات المجتمـع المدنـي التي يخـدم كـل منهـا منهجهـا وأيديولوجيتها ومصالحهـا الخاصة، وقد يصادف طرح قانون ما انتخابات، فتـرة الانتخابات الرئاسـية والبرلمانية لأعضـاء الكونغـرس مما يجعل الحياديه أمرا صعبا لحاجة الأعضاء لأصوات الناخبين.

وتمــر مشـاريع القوانيـن التي تُقـدَّم أو تُطـرح من قبـل الأعضـاء على اللجـان المختصة بمضمون المشـروع وحيثياتـه، وتُجـرى عليـه دراسات ومناقشات وجلسـات اسـتماع، يتـم خـلالها إجـراء تعديـلات أو اعتراضات حسـب رغبـات أصحاب المصالـح، وقـد يُعطـل مشـروع القانـون إذا لـم يحقـق الهـدف منـه.

ونعـود لموضوعنـا للقانـون "جاسـتا" الـذي يسمح- لعائلات ضحايا هجمات 11 / سبتمبر 2001م بمقاضاة المملكــة، ورفع دعـاوى أمام القضاء الأميركـي لطلب تعويضات ماديـة عن الضرر الذي لحقهـم من جـراء هذه الحادثـة المفتعلـة والتي يُزعـم فيها أن المملكـة وبغيـر حـق سـاعدت وقدمت دعمـاً لـلإرهابيين الذيـن نفـذوا العمليـة 00 وهـو قانـون معـدل لقانـون "الحصانـة السـيادية الأجنبيـة" الصادر عـام 1976م الهـدف منـه إخضـاع الدول الأجنبيـة للقانـون الأميريكيـ، وهنـاك اسـتثناءات.

عينـت الحكومة الأميركية لجنـة تحقيق في الأحـداث التي وقعـت في 11 / سبتمبر 2001م والتي وضعـت تقريـراً بـرأ حكومـة المملكــة من أن أي عـلاقة مباشرة بالقضيـة. ومن المعروف أن أعضاء الكونغرس لا يألـون في القيـام بأي عمـل للبقـاء على مقاعـدهم، فهـم دائمـاً ما ينافحـون الإدارة عنـد إقـرار الميزانية ويهـددون بقفـل الحكومة وتعطيل دفـع رواتب موظفي الحكومة الفيدراليـة، معارضتهـم لقانون الرعاية الصحية "أوبامـا كيـر" الذي يخدم الطبقة الفقيـرة حيـث إن 40% مـن المواطنين الأميركييـن ليس لديهم تأميـن طبـي ولا يتمتعون بالرعايـة الطبيـة، ولا ينظـر هـؤلاء الأعضاء إلى نتائـج تصرفاتهـم السـلبية، ولكـن هـذه هي الثقافـة السـائدة في ما يقولون، البلـد الديمقراطي، أو لنقل إن هذا هو الأثر السلبي للديمقراطية.

أصبـحت قضية 11 / سبتمبر 2001م من ذلـك التاريـخ، المسـمار الذي يعلق عليـه بعض أعضاء الكونغـرس، مصالحهـم بدفـع من مجموعات الضغط خاصة اتحـاد المحاميـن وشركات التأميـن وخـلافهم والضغـط سـواء على الإدارة أو غيـرها خـدمة لمصالحهـم الخاصة وبنظرة ضيقـة دون النظـر إلى المصالــح العليـا للبـلاد ومصداقيتها وسـمعتها في الداخـل والخـارج، ويـدُلُّ إحصـاء الرأي حول مدى رضـا المواطن الأميركي لقيام أعضاء الكونغرس من كـلا الحزبين بعملهـم بمهنيـة، وكانت النتيجـة غيـر مرضيـة وأن هـؤلاء الأعضـاء لا يقومـون بأداء عملهـم على الوجـه الأكمـل. أتذكر عند دراستي في إحدى الجامعات الأميركية أنني سألت أحد زملائي في الجامعة عن مدى رضاه عن الكونغرس، وأجاب بالنفي، فبادرته لماذا لا أرى المواطن الأميركي يتذمر؟ فأجاب بأن لعلها ثقافة ألا نظهر تذمرنا.

وسـبق أن تقدمـت بعـض الجهـات والمؤسسـات الأميركيـة برفـع دعـاوى على بعـض المؤسـسات رسـمية وغيـر رسـمية والجمعيـات الخيرية في المملكــة، والتي لـم يُكتـب لهـا النجـاح، ورفضـت المحاكـم قبولهـا، في الوقـت نفسـه يستغل أعضـاء الكونغـرس فتـرة الانتخابات الرئاسـية والبرلمانية لكسـب أصوات الناخبيـن في عمليـة ابتزازية لا تتناسب وهذه المؤسسة الديمقراطية العريقة ولأجل مصالح شخصية ضيقة تؤثـر وتضـر بسمعة الولايات المتحدة أمـام العالـم بعـدم الوفـاء بالتزامها بالقوانيـن الدوليـة التي تقـوم بتوقيعهـا.

إن مثـل هذه الأعمال سوف تـؤدي إلى تداعيات خطيـرة على الاقتصـاد الأميركي، وتحـد من تدفـق استثمارات الـدول الأجنبيـة والأفـراد للسـوق الأميركيـة، إلا أن بعض أعضـاء الكونغرس لـلأسـف لا يهتم سوى بخطب ود الناخـبين لضمان أصواتهم وللاحتفـاظ بالمقعـد، وهـو ما قد يكون هو السبب الرئيسي لمعاودة إثـارته في هـذا الوقـت دون مناقشة كافية وتجاوز الفيتو الرئاسي أيضاً، ثم المناداة بإعادة النظر وإلقاء اللوم على الرئيس في إخفاقه في توضيح التبعات المحتملة لمشروع القانون. وبحسب افتتاحية النيويورك تايمز حول تعليقها على قانون جاستا بأن الكونغرس كما يبدو مصمما على وضع معيار جيد لعدم الكفاءة. أدت هـذه الانتقادات والبيانات إلى تراجـع معظـم أعضـاء الكونغرس عـن دعمهـم لهذا القانـون، وخلال دقائق فقط - بحسب المتحدثة باسم البيت الأبيض جوش ارنست -للمطالبـة بسـحبه أو إجـراء تعديـلات على بنـوده بما يخـدم المصلحة العليا للولايات المتحدة، ويحفظ حقوق مواطنيهـا في الخـارج، وذلـك حسب الإجـراءات والأنظمـة المعمـول بهـا داخـل أروقـة المجلسـين لتصحيـح الخطـأ.

علماً بأن معارضيه لم يكن لديهم الجرأة لمعارضته خوفاً من اتهامهم بالتساهل تجاه الإرهاب، كما أن الإشكال الأكبر هو دفع بقوانين قد تحول العلاقات الدولية إلى قوانين الغاب. ومن المستغرب أن نرى المشرعين لهذا القانون يدركون أنه يضر مصالح الولايات المتحدة بالدرجة الأولى ويطالبون بسحبه لإداركهم المتأخر بأن تشريعا مثل هذا القانون الذي يتجاهل الأعراف الدولية ويتحدى سيادات الدول، سوف يكون مثل الرصاصة المعاكسة التي تتجه لمن أطلقها، حيث ستواجه الولايات المتحدة دعاوى قضائية من حكومات أجنبية نتيجة لأنشطتها الاستخباراتية والعكسرية من عدة دول على سبيل المثال لا الحصر، أفغانستان، وليبيا والعراق، ولا يفوت الإشارة إلى استخدام الولايات المتحده للطائرات بدون طيار متجاهلة سيادات الدول على أراضيها.

قانون جاستا يضـع المصلحة العليـا للولايات المتحدة في أيـدي المحاميـن وعمـلائهم جـرياً وراء مكاسـب ماديـة آنيـة، حيث تلقى الكونغرس ما يكفي من التحذير من أطراف متعددة، من الرئيس أوباما ووكالة الأمن القومي والاتحاد الأوروبي وكبرى المؤسسات والشركات، متجاهلاً إياها في تحـدٍ صـارخ للقيـم والعدالـة والأعـراف الدوليـة، انعكـس إلى انتقادات واسـعة مـن داخـل الولايات المتحدة وخـارجها، وبالأخـص مـن بعض كبار المسؤولين الأميركييـن والأكاديميين المعتدليـن والصحف المشـهورة في تعليقاتهـا الافتتاحيـة، وبيـان مجلس الـوزراء السـعودي، ووزارة الخارجيـة، والبيانات الصادرة عن بعـض الـدول والمنظمات الدوليـة، التي أشـارت إلى أن مثـل هذه القرارات سـتضعف الثقـة والتعـاون بيـن الــدول، ويهدد الحصانة السيادة للدول، ويشـكل خطـراً وتبعـات سلبية على السياسـة الخارجيـة والأمن القومي للولايات المتحدة، وسوف تشكل تهديدا لأمن المواطنين الأميركيين في العالم.

والمملكــة بصـدد التحـول الوطنـي لرؤيـة 2030، أود أن نشــيد بما أقـدم عليـه مجلس الـوزراء الموقـر في إشـارته في اجتماعـه إلى إيضـاح موقـف المملكـة الصريـح لمثـل هـذه القضايا، لكـي يطلـع المواطـن على ما تقـوم به المملكــة سيراً على نهجها الدائم لمعالجة القضايا في الداخل والخارج بكـل هـدوء وحكمـة وعقـلانية خـدمة لمصالح الوطن وتطلعاتـه، مؤكدة أن المملكــة دولـة حضارية تتعـامل مـع القـوانين والمواثيـق الدولية بكل احترام ومسؤولية تجاه شعبها وعلاقاتها الخارجية دون النظر لاعتبارات سوى ما يحقق الأمن والسلم الدوليين. وسوف تظل المملكة بقيادة الملك سلمان - حفظه الله - مصدر أمان وثقة على المستوى السياسي والداخلي، وسيظل اقتصادها قوياً جاذباً للاستثمارات العالمية، وهو ما نشهده الآن بالرغم من تلك الادعاءات الابتزازية والمسيسة وما يمكن أن يكون لها من تبعات سياسية واقتصادية، من سعي العديد من البنوك العالمية للحصول على تراخيص للتوسع في العمل المصرفي في السعودية، وآخرها بنك كريدت سويس.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.