.
.
.
.

انهيار فن المساومة والتسوية

غسان الإمام

نشر في: آخر تحديث:

الإنسان كائن ناطق. الكلمة إذن هي الأداة التي جعلته يتفوق على سائر الكائنات بسهولة الاتصال والتفاهم. الكلمة هي اللغة الصريحة الأرق من الأصوات المبهمة التي تطلقها الحيوانات. ولا ترقى إلى مستوى لغة لها قواعدها في صيانة مفرداتها واشتقاقاتها.
هل نحسن استخدام الكلمة واللغة؟ لعل أحد أسباب فرادة الإنجليز كون الإنجليزية لغة عملية. محكمة البنيان (compact language). الفرنسية لغة موسيقية أجمل من الإنجليزية. لكنك تحتاج أحيانًا إلى ثلاث مفردات لتشكيل كلمة واحدة.
العربية لغة صوتية رائعة. أتيح لي ذات يوم أن أخترق غابات أفريقيا الغربية. فوجدت أن لغة العبور السلمي للقبائل ما زالت العربية. والفضل في ذلك إلى أهل المغرب. فقد كانت صحراؤهم المتنازع عليها اليوم، هي معبر العروبة والإسلام إلى أفريقيا. القراءة المصرية للقرآن الكريم تجعل المستمع الذي لا يعرف العربية يقف خاشعًا. مبهورًا بصفاء الأداء المهيب. وإذا كان للهجةٍ عربية أن تحل محل الفصحى يوما، فأتمنى أن تكون اللهجة المصرية.
لست عالم لغة. لكني ككاتب، فأنا حريص على قواعد الإعراب. وحر في الاشتقاق. «المديرون» الثقيلة الظل التي يصرّ المصحح عليها، هي عندي «المدراء» الأرشق. والأسرع. و«الموضوعات» هي عندي «المواضيع» في اللغة الصحافية السائدة اليوم.
وأعتقد أن السر في عزوف الأجيال العربية الجديدة عن تعلم العربية وإتقانها، هو طريقة التعليم. والتلقين الصارمة التي طبقها رجال الدين من «الإخوان» الذين فروا من مصر وسوريا، في المدارس والجامعات المغاربية والخليجية.
أعود إلى موضوعي الأصلي. فأسأل: هل نحسن استخدام الكلمة واللغة؟ لماذا أحسن قادة النضال الوطني والقومي، في استخدام اللغة والكلمة، في التعامل مع الأجيال العربية المبكرة. وجمع صفوفهم وراءهم؟ ثم ما لبث الحوار السياسي والاجتماعي أن تردَّى. وتراجع بعد التحرير والاستقلال؟
في الحوار داخل المجتمعات المستقرة التي لا تعاني من انهدامات طائفية. أو عنصرية. أو عقد نفسية، يتوفر حد أدنى من الثقة المتبادلة بين المتحاورين. وإذا كان النظام طرفًا مشاركًا في المساومة، فمن الأفضل أن يلعب دور الوسيط المصالح، لتسهيل الوصول إلى تسوية محتمة، طالما أن الصدام بالقوة ممنوع. أو مرفوض.
في دبلوماسية المساومة والتسوية، لا بد للأطراف المتحاورة أن تكون من المرونة، بحيث تقدم تنازلات متبادلة. فالتسوية التي تقوم على الإكراه والقوة، هي تسوية سيئة. ولا تتوفر لها فرص النجاح والاستمرار.
في لبنان، كلما شعر «حزب الله» بالحرج من التزامه بسياسات إيران، لجأ إلى حليفه الأستاذ نبيه بري رئيس مجلس النواب (المُعطَّل). تعود الأستاذ الذي يعتبرونه أذكى ساسة لبنان أن يدعو إلى طاولة حوار. صار في النهاية ينصبها في بيته. ولا يحضرها هو و«حسون الحزب» الذي يتذرع بالخوف من الاغتيال، إذا خرج من مخبأه. وهكذا، يتغيب أيضًا الزعماء الآخرون. ويوكلون تمثيلهم إلى ساسة من الصف الثاني والثالث الذين لا يملكون تفويضًا باتخاذ القرار. أو الوصول إلى تسوية.
في الدبلوماسية الدولية، دعا الرئيس فلاديمير بوتين إلى لقاء في لوزان، للدول المعنية بالمسألة السورية. كان الغرض التظاهر بالرغبة في التوصل إلى تسوية إقليمية أو دولية، للتغطية على وحشية القضاء على المقاومة في حلب. بل تضاءل فن المساومة والتسوية، بحيث أصبح الغرض من الحوار مجرد عقد هدنة قصيرة لمدة يومين! كما الحال في اليمن وسوريا. وليس وضع حد نهائي وحاسم لحرب دامية.
بات عمر القضية الفلسطينية من عمر ابنها الثمانيني المساوم محمود عباس. تم اعتماد الحل المرحلي في التسوية مع العدو. فكلما قطعنا مرحلة من مراحل الاعتراف بإسرائيل، قضم المستوطنون قطعة من أرض الضفة. فصار حل الدولتين كابوسًا، مع «استضافة» نصف مليون مستوطن. أما «حماس» فقد اعتمدت آيديولوجيا تحرير الضفة من عباس. فأخفقت كل اتفاقات المصالحة التي عقدتها مع «فتح» في القاهرة. وعواصم الخليج والخرطوم.. واليمن.
لم يستطع النظام السوري تحمل رؤية جناح «سلمي» له يميل إلى التسوية. فدبر لكبار أعضائه مجزرة، كان في مقدمة الذين قتلوا فيها العماد حسن توركماني رئيس لجنة إدارة الأزمة. والعماد داود راجحة وزير الدفاع. واللواء آصف شوكت نائب رئيس الأركان (2012).
لا تكفي الدعوة إلى الحوار. لا بد من شرح وتفسير آليات الانفتاح السياسي والاجتماعي، ليعرف الرأي العام ورجل الشارع ماذا تعني مفردات العمل السياسي: المؤسسة. السلطة. الدولة. النظام. فصل السلطات. المساومة. التسوية. الفرق بين العقيدة والآيديولوجيا. الفرق بين النظام المطلق. والنظام الليبرالي...
تسييس الدين أدى إلى فرض أفكار في منتهى التزمت على المخيلة السياسية للناس العاديين. توسع الظن الخاطئ بأن الحزب الديني حزب قداسي. له حق احتكار السلطة. والسياسة. والمسجد. والجنة. والجامعة. وتوجيه الفن. والثقافة. والمسرح. والسينما. والصحافة...
لا قداسة للسياسة. لا وصاية لرجل دين يعمل في السياسة. هناك اليوم أحزاب دينية عربية تخلت عن الحاكمية الإلهية. باتت تعتقد بأنها أحزاب متساوية في الحقوق والواجبات مع التعددية الحزبية. وتؤمن بأن الاقتراع ليس تفويضًا دائمًا للحزب. ولرجل الدين المسيَّس بالحكم. ولا يجوز التنازل عن السلطة في اقتراع آخر.
بعض القراء يظن أن مهمة الصحافة هي معارضة النظام. أدعو إلى قيام صحافة فكر سياسي تعرّف بالقيم الجديدة للعمل السياسي. صحافة تعيد إلى الذاكرة الوعي بالتاريخ السياسي المعاصر كما حدث. من دون توجيه. أمة بلا ذاكرة سياسية غير قادرة على التكيف مع الحاضر. أو رسم المستقبل.
الكاتب الذي يحاول تعريف الأجيال الجديدة بالتاريخ السياسي على حقيقته، هو شاهد على التاريخ. وليس مجرد كاتب مخضرم. قديم. ومخرف. كما يوحي التعريف بي إلى قارئ الإنترنت. لقد طلبت إزالته. فقد أُدرج من دون معرفتي. أو موافقتي. ولا أعرف إن تمت الاستجابة إلى طلبي.
أمضى أدونيس حياته الفكرية في التعريف غير المباشر بالفقه السني الإسلامي، بلغة رائعة. أدونيس ناثر. وليس بشاعر. لكنه ظلم الفقه السني. وأوحى إلى محمد أركون الكاتب الإسلامي الأمازيغي بأن الفقه الشيعي أكثر واقعية. ثم أيد رئيسه بشار زاعمًا بأن الشعب هو الذي بادأه باستخدام السلاح. وليس العكس. ثم طلب من نوبل منحه جائزة الأدب. قرأ نوبل تاريخ أدونيس الفكري والسياسي. فمنح الجائزة إلى مغني الروك بوب ديلان.
روك. روك. روك. جماهير أدونيس تطالبه بإقامة مناظرة «روك» غنائية بينه وبين بوب. أدونيس يستحق أن يسحب نصف الجائزة من غيتار منافسه مطرب الروك.

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.