.
.
.
.

عائلة أميركية تكفيرية

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

للرئيس الماليزي السابق، مهاتير محمد، عبارة شهيرة تقول إذا كان السني يكفر الشيعي، والشيعي يكفر السني.. فمن المسلم إذن؟

قبل سنوات مرت بي تجربة طريفة، تذكرت فيها هذه العبارة، واكتشفت بشكل حي عبثية وطفولية التكفير على مستوى أكبر. فمثل كل الراغبين في تعلم اللغة الإنجليزية بوتيرة أسرع، أقمت في إحدى المرات مع عائلة أميركية. تنتمي هذه العائلة لطائفة المرمون، وهي طائفة مسيحية متزمتة. متزمتة لدرجة تضمن لنفسها فقط الخلاص والدخول إلى الجنة، أما الطوائف المسيحية الأخرى "فبعضها إلى النار وبعضها في غرف الانتظار". كما قال لي أبو العائلة، عندما سألته عن مصير الطوائف المسيحية الأخرى بالنسبة لإيمانهم. صدمتني هذه الإجابة الجازمة وسألت السؤال الذي تتوقعونه الآن. قلت له "وماذا عني أنا المسلم.. أين سأذهب؟ إلى النار أيضا". التفت إليّ وقال بنبرة ساخرة ولكن بإيمان أكيد "أعرف أنك شاب لطيف. ولكن نعم أنت مسلم ومصيرك هو الجحيم يا عزيزي". في الصباح عندما قابلت مديرة المعهد سردت عليها القصة الغريبة، وقلت لها - معترضاً - "لماذا كفروني؟ وردت عليّ ساخرة "غريب!! المفترض أنت من يقوم بتكفيرهم!".

نعم صحيح، المفروض الآن هم الكفار، وليس أنا، ولكن - بحسب منطق الأغلبية - أصبحت أنا الكافر، وهم المؤمنون. بعد مدة انضم للسكن طالب صيني. اكتشفنا بعد أول حديث معه على العشاء أنه لا يعرف ما هو أساس الأديان التوحيدية. قمت أنا والعائلة بتكفيره! مع أن العائلة كانت لطيفة ومتجاوبة إلا أنه طاردني شعور بأني منبوذ، ومهما أبديت مع أدب ولياقة إلا أني بأعينهم الكافر، الذي لا يعرف الحق ولا يدرك ما هو مصيره البائس. في أحد الحوارات على مائدة العشاء قلت لهم "أليس المهم أن يكون الشخص صادقاً ولا يظلم الآخرين بغض النظر عن دينه؟"، بدت حجة مقنعة، لكن.. اصطدمت بسرعة بقناعتهم الموروثة المطمئنة. بعد مدة بدأت أخفف من مثل هذا الشعور الذي يحاصرني. وأصبحت أنظر إلى المسألة كلها من زاوية أخرى. صرت أنا المستفيد من هذا التكفير! التفكير من خلال عقلية المؤمن والكافر يحرم الشخص الذي يؤمن بها من الاستفادة من اختلاف العالم المتنوع الذي نعيشه. المؤمنون بهذه العقلية لا يستمعون لهم ويغلقون أسماعهم ويمضون بأفكارهم إلى النهاية. مثلا في هذه العائلة كنا الكافرين الاثنين (أنا وصاحبي الصيني) منفتحين ومتطلعين لنتعلم أشياء جديدة من العائلة أو من الأصدقاء الذين يزورونهم. ولكن بالمقابل لم يكونوا، بسبب العازل التكفيري داخل عقولهم، مستعدين لسماع أي جديد منا.

هذه القصة فقط رمزية لعبثية التكفير، وأهمية التسامح والمشاركة الإنسانية في هذا العالم الجديد الذي نعيش فيه. التسامح صحيح إنسانياً، لأنه يساعدك في رؤية الآخرين بشرا، كما خلقهم الله وليسوا قطعاناً من المنحرفين الضالين، وصائب أخلاقيا لأنك تتعامل مع الناس بعدالة وسواسية، ومفيد اقتصاديا وعلميا وثقافيا في زمن الشركات العابرة للقارات والمطارات والمدن العالمية والجامعات متعددة الأفرع. دول أوروبية متسامحة ثقافيا ودستوريا، مثل السويد أو الدنمارك دليل واضح على أن التكفير مناهض للتحضر الانساني والتقدم الاقتصادي.

الغربيون وشعوب كثيرة في هذه العالم تجاوزا قضية التكفير العبثي (عائلتي الأميركية تعيش في الماضي)، ولكن القضية مازالت تلعب دورا كبيرا في حياتنا. دمرت دولا وفجرت أسواقا ومساجد، ودفعت مراهقين في القرن الـ21 لقتل أمهاتهم وخرجت منها شخصيات شيطانية، مثل الزرقاوي والبغدادي، وتولدت عنها تنظيمات إرهابية، مثل داعش والقاعدة.

بدون مواجهة هذه الفكرة الخطيرة وانتزاعها من العقول ومواجهة مروجيها فإنه من السهل أن تجد مراهقا يصور "سناباته" المضحكة في غرفة نومه ينقلب فجأة ليصورها في الرقة. الفكرة عميقة الجذور في خياله، وهي أعز لديه من الآيفونات والآيبادات التي يراكمها، لكنها لا تعني له شيئا في العمق. الفكرة الثقافية تعبر عن هويته الحقيقية التي زرعها الخطاب المتطرف الذي تربى عليه.

ولكن الحقيقة أن تاريخ المسلمين مليء بالأوقات التي سادت فيها ثقافة العقل والتسامح والواقعية السياسية. فمنذ انتقال عاصمة الخلافة الإسلامية من دمشق ومن ثم لبغداد تواصل التفاعل الحضاري مع ثقافات وأديان أخرى. فبحسب المفكر الراحل جورج طرابيشي "فقد أبقيت أجهزة الإدارة البيزنطية كما هي بأيدي مديريها المحليين، كما أبقيت الدواوين - أي ما يعادل الوزارات اليوم - مؤقتا على لغتها اليونانية، ولم يلحق بالكنائس والأديرة في معظم الحالات مساس... وتحول المثقفون السريان إلى كتبة لدى الدولة العربية الجديدة."

قرطبة شهدت ظهور فلاسفة كبار، مثل ابن مسرة وابن حزم وابن باجة وابن الطفيل وابن رشد وابن عربي. أما من الجهة اليهودية فكان هناك موسى بن ميمون وابن غابيرول. وكذلك كان هناك مفكرون مسيحيون. لقد شهدت قرطبة تسامحاً دينياً وثراء فكريا وحضارياً ولكن بعد موت ابن الخليفة عبدالرحمن الثالث (الناصر) الحكم الثاني عام 976 ميلادية بدأت الأصولية بخنقها ناصبة محاكم التفتيش للفلاسفة والعلماء، مما اضطرهم إلى الهرب، مثل عالم الهندسة عبدالرحمن الملقب بـ"إقليدس الإسباني" أو سعيد الحمار مؤلف رسالة في الموسيقى وكتابا في الفلسفة بعنوان "شجرة العلم" اضطر للهرب إلى صقلية.

هذه القصص المتسامحة من التاريخ ومعرفة النهضة الأوروبية من عصور الظلام إلى التنوير والحداثة هي ضرورية لنقض القصص التكفيرية الإرهابية التي نسمع عنها يوميا وتسيطر على مخيلة ووجدان أجيال شابة تعبث بها ثقافة الكراهية والطائفية التي جعلت، كما قال مهاتير، بلاد المسلمين خالية من المسلمين.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.