.
.
.
.

السعودية واليابان.. "رؤية سوفت بنك"

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

وسط زخم وزحام الأحداث السياسية في الأسابيع القليلة الماضية، توارت أخبار الشراكة السعودية اليابانية المقبلة في الآفاق، التي تمثل رافدًا جديدًا يدعم نجاحات رؤية 2030 للاقتصاد في المملكة العربية السعودية.

منتصف الشهر الحالي كانت الأنباء تشير إلى أن مجموعة «سوفت بنك» اليابانية تعتزم تأسيس صندوق استثماري جديد بالشراكة مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي باستثمارات قد تصل إلى 100 مليار دولار.

الصندوق الجديد يحمل اسم «صندوق رؤية سوفت بنك»، والهدف منه تعزيز الاستثمارات في القطاع التقني على مستوى العالم، ويتطلع أصحابه لأن يكون من بين أكبر الصناديق الاستثمارية في هذا القطاع.. ما الذي تعنيه مشاركة المملكة في هذا الصندوق بشكل اقتصادي استثماري أولاً، ومن تلاقح وتنافح إنساني على صعيد آخر؟ منذ وقت بعيد اعتمد الاقتصاد في المملكة على عوائد النفط، لكن رؤية الأمير محمد بن سلمان تحمل بصمات جديدة خارج الأطر التقليدية، وأفكارًا بعيدة عن الصندوق الكلاسيكي لاقتصادات المداخيل الريعية للمواد الخام، ولهذا فإن الشراكة السعودية هنا تعني الغنى والتنوع في روافد الاقتصاد السعودي في العقدين المقبلين، والأمير محمد بن سلمان عينه، بوصفه رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، يذهب إلى أن هناك فوائد من التركيز على الاستثمارات ذات العوائد المالية المهمة على المدى البعيد سواء محليًا أو عالميًا. «تنهض الأمم بنهضة أحلامها»، هكذا يقرر الكاتب الأميركي الشهير آرثر ميلر، كما أن التلاقي الاستثماري مع اليابان بنوع خاص يحمل الكثير من الدروس والعبر للدول المنطلقة في سماوات السيادة والريادة الاقتصادية.

لا يخفى على الناظر ما للمملكة من استثمارات في ضلعي الرأسمالية الكونية الشهيرين، أي الولايات المتحدة وأوروبا، في حين ربما بقيت تلك الاستثمارات قليلة جدًا في الضلع الثالث الذي تمثله اليابان.

التعاون المالي والاستثماري مع اليابان واليابانيين في واقع الأمر يتجاوز المكاسب المالية والاقتصادية على أهميتها والحاجة إليها، لخلق حالة اقتصادية جديدة في المملكة، تتصل بالانفتاح على تراث إنساني وتجربة قومية رائدة، يمكن استلهام روحها والاستفادة من مكنونات نجاحاتها بل وإبداعاتها بما يقود للتناسق والتناغم بين طرفي المعادلة الحائرة دومًا: الأصالة والمعاصرة، العتيق والجديد، الانفتاح على الآخر، والحفاظ على الهوية الوطنية.

أحد أفضل المحدثين الذين خبّروا أخيرًا عن عمق الشخصية اليابانية، كان البروفسور الياباني إييناغا ساوبورو في كتابه العمدة عن «تاريخ الثقافة اليابانية»، وهو الأستاذ العالِم الذي قارب المائة عام من العمر، ولا يزال يحتل مكان أستاذ شرفي بكلية التربية بجامعة طوكيو.

الدرس الذي نبحث عنه عند اليابانيين اقتصاديًا يتصل اتصالاً جذريًا بعلامة الاستفهام المحيرة.. كيف استطاع اليابانيون تحقيق تلك المعجزة الاقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، وقنابل أميركا الذرية التي سحقت ومحقت هيروشيما وناغازاكي، عطفًا على القيود العسكرية التي وضعت على كاهل المجتمع الياباني؟ يضيق المسطح المتاح عن الجواب، لكن السر يكمن في كلمتين؛ العلم والعمل، أما الأول فاليابانيون مغرمون بالعلم والمعرفة، وبالتالي تطورت حياتهم في كل عصر لتناسب احتياجاتهم الوقتية، وتؤمن مستقبلهم المجهول.

نجاحات الياباني اقتصاديًا وماليًا لا تنفصم أو تنفصل عن شخصيته، فهو يحترم الوقت إلى درجة التقديس، ويقدر الجهد ويعشق العمل مهما تكبد من مشاقّ.

هناك عند اليابانيين صنو وشبيه للمبدأ العروبي الذي كان سائدًا يومًا ما، في زمن الانتصارات، قبل الانكسارات، مبدأ «الاتحاد قوة»، فاليابانيون يميلون إلى روح كونفوشيوس التي تعلي من شأن الجماعة وتنظر إليها ككل يتحرك ويتفاعل وأفراده داخله، بخلاف النسق الأرسطي الذي بنى عليه الغرب رأسماليته الفردية، ومن هنا رأينا الرأسمالية المتوحشة التي قزَّمت الفرد وجعلته ترسًا في ماكيناتها، صباح مساء، كل يوم.

التعاون بين المملكة واليابان يلقي بظلال على فلسفة العمل عند اليابانيين وكيفية تطوير أنساق فاعلة في الداخل ومماثلة لفلسفة العمل عند اليابانيين، التي تتخذ عادة شكلاً جماليًا أخلاقيًا، أكثر منه شكلاً تعاقديًا إلزاميًا، فالعمال في المصنع والشركة والمعمل هم أسرة واحدة، وهدفهم الأعلى والأمثل رفع مستوى الحياة الجماعية للدولة بأكملها، لا تحقيق المكاسب الفردية، كما في ظاهرة «التوريق» عند البنوك الأميركية التي قادت العالم إلى أزمته المالية الطاحنة بدءًا من عام 2008، وحتى الساعة.

التجربة اليابانية تعلمنا أن التحولات الجذرية لا سيما في الأنماط الحياتية، والاقتصادية في مقدمتها، لها غالبًا، ضريبة عالية، ومن يتطلع إلى الثمر لا بد له وأن يلعق الصبر، هذا ما فعله اليابانيون برضا تام، فهم شعب يتسم بقلة الشكوى وحب الصمت وكثرة العمل، وبالتالي لا يكشف عن جروحه بل يداويها ويداريها لحين أن تبرأ.

الاستثمار مع اليابان يعني أن تفتح المملكة أعينها واسعة، على «روح اليابان» الوثابة، ذلك البلد الذي أضحى نمر النمور الآسيوية، الذي لا تتوافر لديه أي مواد أولية لصناعة أو زراعة أو تجارة.. فقط مجموعة جزر في المياه، لكن لديه أثمن وأغلى عنصر.. الإنسان الذي هو القضية وهو الحل.

«صندوق رؤية سوفت بنك» أعمق وأشمل من استثمارات مالية، إنه لقاء مع تجربة حياة ناجحة وقابلة للتعلم منها أمس واليوم وغدًا.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.