.
.
.
.

معضلة الاشتراكيين الديمقراطيين

حازم صاغية

نشر في: آخر تحديث:

تعاني راهناً أحزاب الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا الغربية معضلة تكاد تطال الهوية والمعنى، وتالياً القدرة على الاستمرار. يكفي أن نراجع أوضاع ثلاثة من أعرق أحزابها وأقدمها لكي نلمس بعض تعابير المعضلة المذكورة:

- فالحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا يشارك في ائتلاف كبير مع الحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل، تاركاً التيارات الأكثر يسارية وجذرية واحتجاجاً تبحث عن أمكنتها خارج هذين الحزبين الكبيرين.

- أما حزب العمال البريطاني، ولاسيما في ظل قيادة جيريمي كوربن، فيتقدم من البريطانيين والعالم بوصفه النقيض الجذري لحزب المحافظين، وبالتالي صاحب الخيار النقيض لخيار الاشتراكيين الألمان.

- ومن جهته فإن الحزب الاشتراكي الإسباني يترجّح، وقد يترجّح طويلاً، بين خيار يساري (بريطاني) يقوده إلى التحالف مع حركة «بوديموس» حديثة الولادة، وخيار يميني (ألماني) يفضي به إلى التحالف مع الحزب الشعبي الذي يعادل الحركة المسيحية الديمقراطية في إسبانيا.

وليس هذا الضياع الكبير التعبير الأوحد عن المعضلة الكبرى. فهناك أيضاً التراجع الهائل في الشعبية الذي يسجله حزب كالحزب الاشتراكي الفرنسي بقيادة رئيس الجمهورية فرنسوا أولاند الذي هو أضعف المرشحين لمعركة رئاسة الجمهورية التي ستجرى العام المقبل، أو الإجماع على أن العمال البريطانيين سيستحيل عليهم كسب أية انتخابات في ظل كوربن. والشيء نفسه يصح في حزب بازوك اليوناني الذي انتقل، مثله مثل نقيضه اليميني التاريخي حزب الديمقراطية الجديدة، من ممثل لنصف اليونانيين إلى طرف ثانوي في اللعبة السياسية.

لكنْ متى اعتبرنا أن تلك الأحزاب جزء عضوي وثيق الالتحام بالتاريخ الأوروبي الحديث، أدركنا أن الأزمة إنما تقيم في أوروبا بقدر ما تقيم في اليسار نفسه. فمما يؤخذ راهناً على أحزاب الاشتراكية الديمقراطية ضعف مخيلتها، أي عدم توليدها أفكاراً جديدة تحاول مواكبة التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية التي شقت طريقها في السنوات العشرين الأخيرة. فإذا أمكن التمسك بالخطوط العريضة والعامة للاقتصاد الكينزي إلا أن هذا بذاته لم يعد كافياً في ظل التداخل الهائل الذي أحدثته العولمة، وما استجرته من نقل للكثير من وحدات الإنتاج إلى الخارج، مع ما يستتبعه ذلك من تغير يطال معنى الطبقة العاملة نفسه.وأمام خريطة كهذه، وفضلاً عن التحدي التقليدي الذي يطرحه اليمين المحافظ وأحزاب الديمقراطية المسيحية، يتعاظم تحدي الحركات الشعبوية، أكانت تقف على يسار أحزاب الاشتراكية الديمقراطية (كبوديموس في إسبانيا وسيريزا في اليونان) أو على يمينها (كالجبهة الوطنية في فرنسا وحزب استقلال المملكة المتحدة/‏ يوكيب في بريطانيا والبديل في ألمانيا). ولئن كانت هذه تخاطب وتستقطب الكثير من القواعد التقليدية للاشتراكيين الديمقراطيين فإنها تطرح مشكلة أخرى على البيئات المدينية والنخبوية التي قدمت للاشتراكية الديمقراطية معظم قادتها السياسيين وأغلب مفكريها ومثقفيها. ذلك أن هؤلاء الأخيرين الذين تتزايد خشيتهم من انجراف أحزابهم شعبويّاً، على أمل أن تنجح في منافسة الحركات الشعبوية على البيئة العمالية، شرعت غربتهم عن أحزابهم تتعاظم، كما بدأ بعض المعبرين عنهم يبحثون عن «الخلاص» في حركات ليبرالية مستعدة لمناطحة التيارات النيوليبرالية وتلك الشوفينية والعنصرية. وهو تناقض مرشح للتوسع في ظل اتساع الفارق بين المحيط العمالي في تركيزه على الاقتصادي، مع ما يعنيه راهناً من نزعة حمائية وتوجهات قومية كارهة للأجانب، والمحيط الثقافي والمديني في تركيزه على المجتمعي، أي استكمال بناء المجتمعات التعددية ثقافياً ودينياً وعرقياً، في موازاة تصعيد المواجهة مع الخيارات العنصرية والقومية الشوفينية.

لهذا يمكن القول إن ما تشهده راهناً الاشتراكية الديمقراطية، هو أحد الوجوه البارزة، وإن لم يكن الوحيد، لأزمة الديمقراطية الأوروبية، وتالياً لأزمة أوروبا.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.