القلوب الأميركية السوداء
سخر مني أحد الأصدقاء الأعزاء قبل سنوات بسبب مبالغتي، كما يعتقد، بمدح أميركا وقيم ثقافتها وهو من عاش فيها لمدة طويلة. قال متهكماً "عش بينهم لتعرف حقيقتهم". بعد سنوات من الإقامة هناك كصحافي وطالب يجب أن أعترف: نعم، لقد كنت مخطئاً! بعد سنوات من العيش بينهم عرفت حقيقتهم السرية وسأحاول كشفها في هذا المقال. وهدفي ليس الثناء على أحد أو شتمه، ولكن محاولة كشف الجوانب المضيئة في الثقافة الأميركية لكي نفهم سر تطورها وربما نحاكيها.
كنت قد كتبت أنهم متسامحون دينياً. ولكني كنت مخطئا، فهم قد تجاوزوا عملياً مرحلة التسامح التي تعتبر أشبه بالهدنة العملية الضرورية للاستقرار. كلمة متسامح جميلة ولكنها ملغومة. داخل كل متسامح وحش طائفي ينتظر لحظة الافتراس إذا ما اختل الأمن. التسامح بالنسبة لهم كلمة قديمة ولو دققنا النظر فقد تعتبر شتيمة. لقد تخطوها بشكل نهائي وأصبحت مسألة المشاركة والاندماج الإنساني هي السمة الأبرز. المدارس لا تعلمهم الانكفاء على طوائفهم الضيقة وأعراقهم النقية. تصادم الهويات الضيقة غير موجود. في داخل الجامعة تتلاشى كل الحدود والفوارق. التصنيف الأتوماتيكي الطائفي أو الديني أو العرقي الذي يتبادر إلى الذهن عند مقابلة إنسان جديد يتعطل تماما. مع جموع الناس المختلطة والمندمجة تصبح الكراهية غير منطقية ومنتجا ينتمي للقرون الوسطى. الوجوه في الشوارع والأسواق والحدائق ارتاحت واستعادت ألقها الإنساني الطبيعي.
كنت قد كتبت أنهم عمليون وجادون وجافون في التعامل. ولكني كنت مخطئا. بعد سنوات من العيش هناك أعترف أن وصفي لم يكن دقيقاً. كان علي أن أضيف أن عمليتهم وجديتهم مشوبة بروح إنسانية وليست ميكانيكية خالية من الروح. من السهل أن تجد من يمد لك يد المساعدة لو احتجت بدون أن يسألك من أي مكان وعائلة أتيت. من الطبيعي أن تجد أساتذتك العمليون والجادون يتعاطفون معك ويمنحونك فرصاً قد لا تستحقها لأن الغرض هو مساعدتك لكي تنجح. هناك العديد من المؤسسات الإنسانية التي ستقف معك إذا لم يساعدك الأفراد. من المنطق أن تساعد نفسك بنفسك ولكن من العدل الإنساني أن تشعر بأحد يقف معك في أوقات الضعف والحاجة. يتفنن البعض ويتلذذ بتحطيم وإهانة وظلم من لا يملك جاها أو سلطة. العدل الإنساني يحمي ويساعد هذه الشخصيات التي تواجه الحياة وحيدة.
قال صديقي لا تصدق الضحكات، فالقلوب سوداء ورددت عليه حينها: حتى لو كانت كذلك، فالمهم هو التعامل الخارجي المهذّب، أما القلوب فعلمها عند الله. ولكن بعد سنوات من المخالطة يمكن أن أقول بدون مبالغة القلوب أيضا بيضاء (بشكل عام بالطبع). طبيعة قلوب الأشخاص تتكشف بعد العشرة. لم أسمع كلمة عنصرية واحدة على الرغم من كل التحذيرات التي سمعتها لكوني سعوديا ومسلما. حذّرني البعض من إفشاء هذه الأسرار الخطيرة حتى لا أتعرض للاضطهاد ولكن في كل مرة أعلن أني سعودي تصبح هذه مناسبة لفتح حديث ودي. طبيبة قالت لي بعد أن أخبرتها عن جنسيتي بأن زوجها عمل في السعودية ويحضرون في كل عام العيد الوطني في السفارة ويتذوقون التمور السعودية الشهية! أستاذتي في الجامعة خبطت مسرورة على طاولتها وقالت بعد ما عرفت أني من السعودية: "قضيت أجمل أوقاتي أنا وزوجي مع أصدقائنا السعوديين. كم ضحكنا!"، بعد سنوات لا أعرف عن أي عنصرية واضطهاد يتحدث عنها البعض، فالعكس هو الصحيح.
هناك أشياء وصلت لها نظريا سابقا ولكن زاد اقتناعي وإيماني بها عملياً بعد التجربة. يقولون إنهم ماديون وخالون من الروحانية وأدركت أن هذا وصف غير دقيق. الروحانية مسألة شخصية تمور باستمرار داخل الإنسان من أجل الارتقاء أخلاقيا ونفسيا. أكثر مبيعات الكتب في هذا المجال ليس لأنهم فارغون روحيا ولكن بسبب سعيهم لإثراء هذا الروح وإشباع الجوع النفسي والبحث عن أفضل ما في أعماق الإنسان. هم يفعلونها من خلال قراءة أحدث كتب علم النفس والأدب والفن والدين والفلسفة، التي تعالج هذه المسألة المعقدة. هذا أفضل من الاعتقاد اليقيني أن الشخص مكتفٍ روحيا وكامل أخلاقيا منذ ولادته لذا يقضي بقية عمره في انتقاص الآخرين أو الشفقة عليهم وهو في الحقيقة من يستحق الشفقة.
عرفت أيضا أن مسألة الحرية الشخصية مسألة ضرورية لنضج الشخصية. إذا قيل لك ما يجب عليك أن تفعل أو لا تفعل، فستكون طفلا حتى لو بلغت الثلاثين أو الأربعين. يجب أن تكون حراً لكي تعرف من أنت وماذا تحب وتكره. لذا الحرية الشخصية ليست مسبة ولكنها ثناء لأنها تمنح الشخص الاحترام لكونه فردا وبمجرد أن يشعر الفرد بالاحترام يتصرف وفق قناعاته وليس قناعات عائلته أو أصدقائه. لكل شخص نكهة خاصة تميزه عن غيره من البشر والحرية هي النار الهادئة التي تشكل ببطء هذه النكهة المميزة للفرد وتجعله مختلفا عن الآخرين. ولهذا السبب تحديدا تتمايز الشخصيات وتختلف عن بعضها بشكل واضح لأنها تفكر بطريقة مستقلة وبدون ضغط وترهيب من فكر الجماعة التي لا يحتمل إلا قالبا واحدا للعقل والروح.
العيوب عديدة لأنها في النهاية ثقافة بشرية، ولكن أليس من صالحنا أن نراقب المجتمعات المتقدمة غربا وشرقا ونحاول أن نتعرف على الأسباب الثقافية العميقة التي أدت إلى تطورها وازدهارها. هذا بالتأكيد أفضل من تحويل أسباب تفوقهم ذاتها إلى قصص للثرثرة والسخرية والحكم على أخلاقهم وقيّمهم في وقت يجب أن نتحلى فيه بالتواضع ونحن نعيش في منطقة ترفع فيها رايات داعش والحشد الشعبي ويختار مراهقوها الهرب والموت في المحيطات على العيش بها.