.
.
.
.

الشيخ علي لم ينطق عن الهوى

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

لم يكن صاعقاً ولا كان مثيراً لأي قدْر من الدهشة، ما أفاد به النائب عن التحالف المدني الديمقراطي فائق الشيخ علي في مؤتمر صحافي عُقِد داخل مبنى مجلس النواب العراقي بشأن تجارة الخمور والمخدرات و"بيزنس" البارات والملاهي بحماية جماعات مسلّحة تابعة لأحزاب إسلامية.
النائب الشيخ علي قال في تصريحاته إنّ ميليشيات وجماعات مسلحة تابعة لأحزاب إسلامية عراقية تقوم بـحماية الملاهي والبارات ونوادي القمار في بغداد مقابل أموال، وإن لبعضها دَوراً في تجارة المخدرات وزراعتها في جنوب العراق. هذا أمر ليس بالصاعق أو المدهش ،لأن الكثير جداً من العراقيين يعرفونه حقّ المعرفة. وسائل الإعلام التقليدي ومواقع التواصل الاجتماعي تحفل بهذه المعلومة. من لديه أدنى شك فليسأل أصحاب البارات والملاهي ودكاكين بيع الخمور في بغداد. ومن لديه شك في أمر زراعة الحشيشة والخشخاش في الجنوب وانتشار تجارة المخدرات في مختلف المحافظات، فليرجع إلى تقارير مجالس المحافظات وحكوماتها المحلية وإلى ملفات القضايا في محاكم هذه المحافظات.
منذ ما يزيد على السنة، أغلق بائع خمور في شارع السعدون ببغداد دكانه لنحو أُسبوعين، وعندما أعاد فتحه سألتُه شخصياً عن سبب الإغلاق فأسرّني بأن الميليشيا التي تبتزّه بأخذ 750 دولاراً أُسبوعياً مقابل السماح له بممارسة مهنته طلبتْ منه مضاعفة ما يدفعه لها، مدّعية أنّ الزيادة ستذهب تبرّعٌ الى الحشد الشعبي!.. البائع أخبرني بأنه لا يحقق ربحاً من مبيعاته بقيمة 1500 دولار في الاسبوع لكي يدفعه لهم. وفي الأخير فإنه ، بوساطة آخرين، توصّل معهم إلى تسوية تُنقص مما يطلبونه وتزيد ما كان يدفعه.
ذات مرة أبلغني مسؤول في وزارة الثقافة والسياحة والآثار بأن في بغداد 1700 ملهى وبار ومحل لبيع الخمور، نحو 90 بالمئة منها تعمل من دون ترخيص من هيئة السياحة، لكنّها تحظى بحماية ميليشيات وجماعات مسلحة تابعة لأحزاب إسلامية. هذا يعني أن مئات ملايين الدولارات تستحوذ عليها هذه الميليشيات والجماعات المسلحة سنوياً، بدلاً من أن تحصل هذه المحال على تراخيص وتدفع الرسوم المقررة التي يُمكن لها أن تُعزّز من وضع خزينة الدولة الخاوية ومن الموازنة العامة السنوية المُرهقة.
الحال ذاتها تنطبق على تجارة المخدرات الرائجة للغاية في الوسط والجنوب بسبب قيام حكومات هذه المحافظات بمنع بيع الخمور وتناولها من دون أيّ سند قانوني، ما أفسح في المجال أمام تجارة سريّة نشيطة للخمور والمخدرات بحماية ميليشيات وعصابات مسلّحة.
قبل سنوات ضيّفتني قناة فضائية عربية لأتحدث عن الحملات التي درجت محافظة بغداد على شنّها على النوادي الاجتماعية في العاصمة. قلتُ يومها إن الخمور والمخدرات والدعارة متفشية في معظم مناطق العراق بما في ذلك المحافظات الموصوفة بأنها مقدسة، وذكرتُ اسم إحدى هذه المحافظات التي أظهر تقرير رسمي صادر عن وزارة التخطيط أنها الأكثر على صعيد التجارة السريّة للخمور والمخدرات والدعارة، فكان أن انتفض في اليوم التالي أحد مسؤولي تلك المحافظة فصرّح بأنه سيقاضيني والقناة التي ضيّفتني، متهماً إيّانا بالسعي للإساءة الى سمعة المحافظة، ولم يفعلها إلى اليوم .. لابدّ أن مستشاراً له قد نصحه بالتزام الصمت ،لأنني كنتُ استند في حديثي إلى تقرير رسمي.
الأرجح أنّ الذين هدّدوا النائب الشيخ علي الآن بمقاضاته عن تصريحاته سيجدون مَنْ يشير عليهم التزام الصمت، لأنّ عضو مجلس النواب لم يكن ينطق عن الهوى.

* نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.