عقدة المؤامرة..!

يوسف أبا الخيل
يوسف أبا الخيل
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

أكاد أجزم بأن هناك علاقة عكسية بين درجة تقدم المجتمع من جهة، وتشبثه بوهم المؤامرة من جهة أخرى؛ فكلما صعد المجتمع خطوة على سلم الحضارة، ألقى عن كاهله كفلا من التعلق بعقدة المؤامرة، مساويا لتلك الخطوة الصاعدة؛ والعكس صحيح.

إلقاء تبعات التخلف على القوى الخارجية، قبل أن يكون وهما مؤامراتيا، فهو مرض سيكلوجي، يصيب المجتمعات، مثلما يصيب الأفراد. فهو يريح الذات، ويجعلها في منأى عن اللوم والتقريع جراء تخلفها وعجزها.

لا مراء في أن المؤامرة، بوصفها كذلك، جزء من ألاعيب السياسة، يمتطيها كل من الساسة والدول للحفاظ على مصالحهم القائمة، أو لخلق مصالح جديدة؛ وكذلك لتوهين مصالح منافسيهم وأعدائهم معا. هنا يُنظر إلى المؤامرة على أنها فعل سياسي صرف، لا علاقة له بدين أو بمذهب أو بعرق أو بهوية.

من هذا المنطلق، أعني ما يمكن أن أصفه بـ(مدنية المؤامرة)، فإن المؤامرة باقية ما بقيت السياسة، ولا يمكن تصور سياسة حديثة دون مؤامرة. الخطورة تكمن في تحويل المؤامرة إلى دفاع عن هوية متخيلة، أو قل: تضخيم هوية متخيلة.

المتآمرون وفق هذه الرؤية، لا يتآمرون علينا لأسباب سياسية، بل لأننا بنو فلان، أو لأننا أصحاب تلك الهوية؛ ثم يتبع ذلك بالضرورة تصوير سيناريو المؤامرات التي تتولى كبرها الدول العظمى بأجهزة استخباراتها ومراكز معلوماتها وبحوثها ضد تلك الجماعة، أو ضد أصحاب ذلك المذهب، لأنهم فقط متمذهبون بذلك المذهب أو ذاك. هنا تحديدا تكمن الخطوة. وخطورتها تتمثل باللعب على وتر الوجدان، وشل أصحابه عن التحرك باتجاه إصلاح الذات، وتقويم اعوجاجها.

المنطق البسيط يقول: إن بإمكانك أن تتآمر على من يتآمر عليك دون المرور بدورات التوجع والشكوى، لأن الميدان مفتوح؛ لكن ادعاء المؤامرة المعاش في واقعنا العربي الإسلامي إنما ينطلق في حقيقته من توهم إعفاء الذات من مسؤولية التخلف الذي ترسف في قيوده. ينفث مسوقو وهم المؤامرة في روع الشعوب بأنها لا تستطيع أن تتقدم لأن الآخرين يتآمرون عليهم، ويمنعونهم من بلوغ مآربهم، وبالتالي فلا حرج عليهم إن هم استمروا يرسفون في قيود التخلف.

أفهم، كما أتفهم، أن تتآمر دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية على دولة مثل اليابان أو الصين، والعكس، لأن كلا منها دولة متقدمة، ومصالحها تضرب بجذور عالمية، وبالتالي فما لم تتآمر على منافسيها فإنها، على الأقل، لن تستطيع أن توسع حدود مصالحها، هذا إن لم تفقد مصالحها الحاضرة؛ لكن أن يتآمر الغرب الذي استوطن الفضاء، ووصل إلى فك شفرة الجينوم البشري على دول لا تستطيع أن تصنع حتى مقومات دور عبادتها، فتلك دلالة لا تخطئها العين على الحالة المتردية التي وصل إليها الوعي الجمعي لمشكلته الحقيقة.

كل ما نعجز عن حسمه، أو تحديد مصدره، أو أي قوة لا نستطيع مجابهتها، فإننا نسجلها لحساب المؤامرة؛ الكل يتآمر علينا، لا من منطلق سياسي بحت، بل من منطلق هوياني فحسب.

عالم اليوم يتبع المنطق المصلحي، الاقتصادي تحديدا، فمن ينافسني، سأتآمر عليه، لا لأنه من العرق الفلاني، أو الجماعة الفلانية، أو المذهب الفلاني؛ بل لأنه يقف في طريق مصالحي الاقتصادية؛ أو لأني لا أريده أن ينافسني على التهام كعكة اقتصادية بادئة لكلينا؛ هذا منطق المؤامرة الحديث.. ليس كل من يتآمر عليك، يفعل ذلك من منطلق عداوة مؤبدة؛ بل من منطلق وضع وسياق سياسي/ اقتصادي يحتم علي ذلك. ومن هنا قيل: إن السياسة ليس فيها عداوة دائمة أو صداقة دائمة؛ بل سياق متقلب حسب المزاج المصلحي فحسب.

عالمنا العربي الإسلامي، وعلى مستوى أبرز نخبه للأسف، لا يزال يرزح تحت نير المؤامرة الهويانية. فهو يتصور أن العالم الغربي يخصص جزءا طويلا من وقته للتآمر عليه؛ ولكيفية القضاء عليه..

طبعا المؤامرة موجودة حتى من الكبير تجاه الصغير، ولكن من منظور مصلحي اقتصادي تحديدا. العالم الغربي الذي وصل إلى المجرات الفضائية بمركباته لا يمكن أن يضيع جزءا من وقته للتآمر، لأجل التآمر في ذاته، بل لأجل المصلحة والمصلحة فحسب.

خطورة نظرية المؤامرة من منظور هوياني، أنها تسجن الوعي ومن ثم اللاوعي في منطقة لا يتعداها، لأنه موقن أنه لن يسمح له بأن يتعداها. والغريب أن النمور الآسيوية، وأقربها لنا سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية، كانت غارقة في هذا النوع من التفكير الخرافي الميتافيزيقي المآمراتي؛ وما أن حطت أولى خطواتها على سلم التقدم حت اختفت تلك النغمة روريدا رويدا؛ وهذا يؤكد على ما قلناه آنفا من وجود علاقة عكسية بين التمسك بوهم المؤامرة، ودرجة التخلف التي يرزح تحتها المجتمع الذي يعاني من تبعات المؤامرة الموهومة.

*نقلاً عن "الرياض" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط