.
.
.
.

حرب النوايا

ريما مكتبي

نشر في: آخر تحديث:

سيشهد التاريخ على المعركة الصعبة لتحرير الموصل من براثن داعش، تماماً كما كتب عن الانهيار السريع لثاني أكبر مدن العراق. أكثر من عامين تحضرت القوات العراقية لخوض هذه المعركة بمساعدة أقوى القوى العسكرية في العالم وهي أميركا.

لا نقاش ولا خلاف أن داعش هو الشر بكل ما للكلمة من معنى، تفشى في العراق وسوريا وصدّر أفكاره للعالم، لكن الضحايا أولاً وآخراً هم العراقيون والسوريون. فالويل لهم إن حكمهم داعش، والويل لهم إن اقتُلع التنظيم الشرس. انظروا إلى مشاهد عوائل الموصل التي رفضت مذلة العيش في مخيمات النزوح واختارت أن تبقى على أرضها وأحيائها وبيتها، إما تموت هناك أو تعيش هناك. انظروا كيف أصبح الرجال بشيبها وشبابها في قفص الاتهام أنهم ربما يوماً في الماضي القريب انخرطوا أو أيدوا داعش. فمن فعلاً يعرف النوايا؟ ومن يعرف المعاناة اليومية لهؤلاء؟ ما إن تقتحم القوات العراقية حتى تسمع رجل البيت يبرّر ويروي ما عانى من ذل في زمن داعش، وتخرج النساء بالرايات البيضاء والزغاريد. وأحياناً أخرى يحضر الجيش فتحضر معه سيارة مفخخة أو انتحاري أرسله داعش ليقتل كل من حوله. من المؤكد أن الجيش العراقي ليس في موقع يُحسد عليه، لأنه جيش مُنظم يواجه تنظيماً يستخدم أسلوباً "ميليشياوياً" عصرياً في القتال. وهو فيما يصطاد الدواعش من بيت لبيت يواجه عدداً كبيراً من المدنيين، ومعرفة من هو موال لداعش ومن هو معارض أمر صعب، أقله خلال لحظات أحياناً تكون حاسمة بين حياة وموت.

ناهيك عن المقاتلين المنخرطين بسبب الإيمان عقائدياً، لا بد أن هناك بيئة حاضنة فرض عليها الزمن التعايش مع داعش. فأنت إذا كنت عراقياً سُنياً تكون قد عانيت التهميش لسنوات من قبل حكومات طائفية. وربما تكون قد شهدت على حادث مروع مارسته ميليشيات تأمرها إيران بحقك أو بحق أحد الأقارب. وعلى الأرجح أنك عاطل عن العمل ومتهم أنك كنت تؤيد صدام حسين، أو بعثي سابق، أو ربما كنت متعاطفاً مع تنظيم القاعدة. والخيارات أمامك إذا كنت عراقياً سُنياً، إما أن تعيش تحت سيف عناصر داعش أو تحت جزمة ميليشيات مذهبية. وكما أن لا شيء يبرر تأييد داعش، فلا شيء يبرر محاكمة أهالي الموصل على نواياهم. فالأهم من تطهير الموصل من التنظيم الراديكالي، هو تطهير النفوس الطائفية.

لأن الناس سئمت الظلم ويجمعهم في مكان ما في داخلهم العراق الوطن، وليس الانتماءات الإقليمية أو المذهبية أو الإثنية. بعد لملمة جثث داعش، سيكون أمام الجيش العراقي أولاً أن يعيد الثقة للناس، أن يشعر المُوصليين أنهم لن يحاكموا على النوايا وأن لا يتهموا زوراً. أن يقول عسكر العراق نحن السلطة والقانون والأمان وليس حفنة من ميليشيات تنبش صراعاً مذهبياً يشبه تماماً عقائد بالية نبشها داعش. يحتاج كل عنصر من جيش العراق اليوم وأكثر من أي وقت مضى أن يقول إنه فوق التصدعات المذهبية والإثنية، أن يكون فقط عراقياً ولن يفسح المجال أمام دولة، أياً كانت، أن تمس العراق. حُكي الكثير عن غلطة الأميركيين عندما حلّوا الجيش العراقي بعد إسقاط صدام حسين، خطوة صدّعت المجتمع العراقي برمته ودفع ثمنها الجميع لسنوات. معركة الموصل هي فرصة ذهبية لينتهزها من يعطي أوامر للجيش العراقي من قادة عراقيين، وهم موجودون فعلياً وليس صورياً فقط. فرصة ليقول جيش العراق، الأمر لي.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.