.
.
.
.

فيروس البوشية

عبد اللطيف الزبيدي

نشر في: آخر تحديث:

سينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد أن أنظمة طبائع الاستبداد كانت على حق، حين حرمت على شعوبها الاقتراب من السياسة. الأقلام التي ننتظر منها قبس التنوير، وتدريب الناس على تقبل الإصغاء إلى الآراء التي لا توافق مزاجها، صار بعضها أعشاش دبابير بوشية الهوى: «من ليس معي فهو ضدي».

كانت الدنيا بخير أيّام كانت التهم توجه إلى الأفراد، اليوم تطورت الأمور، غداً بعض الأقلام يرسم للدول خط مشيها، يرميها بالعمالة ببساطة.

هل هذه هي الديمقراطية التي نطمح إليها؟ عقيدة بوش الابن تريح الدماغ من عناء التحليل والبحث والتفاهم: عليك أنت أن تكون معي، أنا أقول وأنت المسير الذي ليس له حق الفكر والاختيار، وإلا فأنت ضدي. المسألة لا تخلو من الطرافة، فجورج الابن لا يدرك غباء هذا الأسلوب، وهو يرفع شعار مكافحة التطرف. لا يستوعب حماقة القول للكرة الأرضية: إن عليكم الاصطفاف خلفي أو أنتم ضد الولايات المتحدة. يبدو أن هذه الطريقة السهلة المبسطة، التي تنفي وجود وظيفة للعقل والحرية، استساغتها أمخاخ لا تحصى في العالم العربي، فأصبحت لها نهجاً قمعياً مريحاً: اتبعني من دون أن تفكر أو تسأل أو تفتح فمك. هذا المنهج التبسيطي هو الذي أسقط الأنظمة والبلدان.

هذه قضية ثقافية وتربوية، قبل أن تنخر عظام الحياة السياسية.

الطامة الكبرى هي أن التطرف الديني مردود على أصحابه بصريح القرآن الكريم، الذي استخدم فعل المشاركة في قوله: «وتواصوا بالحق»، ولم يقل: وأوصوا بالحق. المضمون الفكري السياسي الفلسفي التعليمي التربوي الاجتماعي، أهم بكثير من الجانب البلاغي، فالمغزى هو أن الحق ليس ملكاً فردياً لأحد. وحين يتواصى الناس بالحق، فلا ريب في أن وجهات نظرهم فيه مختلفة، ثم جاء تكرار التواصي للتأكيد على نوع المشاركة: «وتواصوا بالمرحمة»، في تلقي الرأي. كلا الطرفين يطلب الحق ويريده ويوصي به من دون تطرف ومن غير إصرار على أنه هو الذي يعرف ما هو الحق.

مدرسة تعلم الناس أن التطرف في الدين وما سواه، ليس من الدين ولا الديمقراطية ولا النزاهة ولا التعايش السلمي في شيء، فكيف يركب هذه الموجة الغادرة مثقف أو إعلامي، ومهمته الوظيفية هي التنوير وكشف المزالق والمهاوي؟ ما يغيب عن أذهان الأقلام والأصوات في وسائط إعلامية عربية كثيرة، هو أنهم شركاء في كتابة صفحات ستخجل منها الأجيال العربية المقبلة.

لزوم ما يلزم: النتيجة الاقتصادية: متى يتخلّى الناس عن الإقطاعية في ملكية الحقيقة والحق؟

*نقلاً عن صحيفة "الخليج"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.