"السياسة الخارجية الأميركية"

بديع يونس
بديع يونس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

بعد سنوات على دخول القوات الأميركية إلى أفغانستان (2001) والعراق (2003) بـ"قرار" من الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، وعلى هامش ورشة عمل بالتعاون مع السفارة الأميركية في بيروت حول الدستور والمؤسسات الأمريكية قُيض لي في ربيع 2006 سؤال احد الدبلوماسيين في الخارجية الاميركية ـ متخصص بالقانون الدستوري وفي علاقة السلطات الدستورية ببعضهاـ : " كيف يمكن منح رئيس فرد هذه الصلاحية الواسعة من دون رقابة مباشرة من سلطة رادعة؟ ".

فأتاني الرد من الديبلوماسي - الاكاديمي المخضرم وما زال محفورا في ذاكرتي: " يقرر سياسة الولايات المتحدة الخارجية ما يقارب 80 الف شخص... هي أمة تربّعت على عرش العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا. هي دولة لا يقرر مصيرها شخص, هي دولة فيها "SYSTEM" يُطبّق وفق المصالح العليا للولايات المتحدة...".

منذ ذاك الجواب أحاول عند كل مفصل بالسياسة الخارجية الاميركية مقارنة مدى صحة هذا الرأي . فقاربت ما طُرح مع القرارات الاميركية لأصل الى استنتاج يقول إن المؤسسات الخفيّة او ما يسمى "Establishment " الممتدة في واشنطن هي من تضع استراتيجية السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية, فيما يبقى للرئيس اعتماد خياراتها ودوزنة تفاصيل تنفيذها.

وما زاد يقيني لاحقا زوال الفروقات بين السياسة الخارجية للرئيس بوش الابن (الجمهوري) وسياسة الرئيس كلينتون (الديمقراطي), حيث كادت الفروقات في تنفيذ سياسة اميركا الخارجية ان تختفي . قبل أن يعود الرئيس اوباما ليلبّي حاجة واشنطن لإنهاء وجودها العسكري المباشر في كلي البلدين. وعندها انزوى الجيش الاميركي في الصفوف الخلفية كمشاهد اكثر منه كمحارب, بمقابل توسّع ملحوظ في انتشار صواريخ الجيوش الاميركية وقواتها في بولونيا ورومانيا وتركيا ضمن استراتيجية الحلف الاطلسي على حدود روسيا الغربية. فالانعزال في السياسة الخارجية تكرّس في مناطق فيما قابلته إعادة انتشار وتوسّع في مناطق اخرى. مما يثير عند المرء تناقضا حول السياسة الاميركية الخارجية, لكنّه طبيعيٌ لمتابعي بواطنَ ما تخطط له مؤسسات الدراسات في العاصمة واشنطن.

إن انسحاب الاساطيل الاميركية وجيوشها من ارض المعارك المباشرة في الشرق الاوسط يعطي منحىً انعزاليا . لكن تصريحَ اوباما في ولايته الثانية المشرفة على الانصرام بأن استراتيجية واشنطن للعقود المقبلة ستتمحور حول الصين والشرق الادنى و دول النمور السبعة واليابان، بينما يعلم بأن ولايته ستنصرم ، ونجمه سيأفل ، وبانه غير باق في سدة الرئاسة لينفذ هذه الاستراتيجية الخارجية.

توصف الولايات المتحدة بكونها دولة "سيستماتيكية" بينما تفتقد بعض الدول لهذه الميزة . وبقدر اقل منها تحذو روسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا اعتماد هذا التوجه في صناعة القرار الخارجي.

والملفت للنظر انه اذا اتبعت تركيا مزاج رئيسها رجب طيب اردوغان ، فأن إيران سيستماتيكية اكثر من بعض دول العالم الثالث غير ان السيستيم الايراني يصنع القرار الخارجي بآلية تعتمد ايديولوجية نظامها الديني الخاص ويحافظ على مصالحه ، انما من خلال تراتبية داخلية هرمية تحافظ على مصالح النظام المللي.

يبني المخططون في اميركا رؤية استرتيجية لعقود قادمة . مما جعل بلادهم في طليعة المؤثرين في السياسة الدولية بالرغم من تغير الرؤساء دوريًا كل أربع سنوات أو كحد أقصى كل ثماني سنوات بموعد محدد لا يتأثر بطروحات التمديد او التأجيل . فتحصد اميركا نتائج سياستها الخارجية المنتهجة بغض النظر عن شخص الرئيس وشعاراته الانتخابية . لأن "السيستم" الاميركي لا يتطلع الى الحفاظ على سمعة الرئيس إنما يهدف الى الحفاظ على مصالح الدولة الاميركية فحسب.

راهنا الرئيس المنتخب ترامب لم يعلن صراحة أيّ تفاصيل محددة ينوي اتباعها في علاقة بلده مع اوروبا والحلف الاطلسي، وما اذا سيتبع سياسة مهادنة او مواجهة مع روسيا. ام انه سينشر جيوشه لمحاربة داعش للقضاء عليها او انه سيكتفي بمحاربتها بالوكالة. ولم يصرح حول طبيعة العلاقة المستقبلية مع الصين واليابان وكوريا الشمالية والجنوبية ... ألخ . إلا انه من المؤكد أن أي سياسة سينتهجها دونالد ترامب لن تصب الا في مصلحة بلده فحسب. والمؤكد ايضا وايضا أن تصريحات ترامب المرشح للرئاسة لن تصبح عناوين ترامب الرئيس للسنوات الاربعة المقبلة.

إنما من المسلّم به ألا مكان لرئيس في اميركا يخرج عن SYSTEM، ويخرج عن الـ"”ESTABLISHMENT. وما حذفه ترامب وأعاده على صفحته الالكترونية إلا بداية العودة الى الأطر الصانعة للقرار الخارجي.

إن جعل اميركا عظيمة مجددا شعار جميل جمع الناخبين حوله ، إنما صناعة عظمة اميركا هو شأن شعب بكامله لا سيما منه النخبة المخططة للسياسة الخارجية.

من المبكر جدا استخلاص جميع نتائج انتخاب ترامب لا سيما إنه تبين ان الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء لم يدركا عمق التغيرات الحاصلة ضمن المجتمع الاميركي من جراء المعاهدات الاقتصادية الثنائية والمتعددة الدولية ، ومن محصلة العولمة ، وتغير التوازنات الديمغرافية . إلا انه من المسلم به أن السياسة الخارجية لن تشهد انقلابات دراماتيكية بعد تبؤ ترامب سدة الرئاسة. بسبب ان السياسة الخارجية الاميركية اتسمت دائما بطابع الاستمرارية النسبية بالرغم من تبدل الرؤساء وانتقال النظام الرئاسي من حزب لقرينه.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.