.
.
.
.

"أنا اللبنانية العنصرية"

يارا الأندري

نشر في: آخر تحديث:

لا شيء قد يصف ما يجري بين اللبنانيين والسوريين، دون تعميم طبعاً، أقل من كلمة سعار وجنون. فما إن ينشر أحد تعليقاً على ما على مواقع التواصل حتى تبدأ همروجة العنصرية ذاتها. قبل أيام قامت الدنيا ولم تقعد بسبب برنامج مقالب ضحل قيل إنه أساء للاجئ سوري، علماً أن الشاب وهو ممثل على ما يبدو كان متواطئاً مع فريق الإعداد، ووافق في ما بعد على عرض الحلقة ولكن من يأبه! تخفيف السعار "ما بيبيع" كما يقال في الدارج ولا يحقق مشاهدات ولا يتماشى مع ال "شو" الذي أضحى بوصلة الإعلام في أيامنا هذه منذ استفحال صحافة السوشيل ميديا إلا أن هذا موضوع آخر.

الفيديو في الحقيقة لم يسئ للاجئ بل لكرامة الإنسان، ولكل مستضعف وإن كان تمثيلا ولكن هنا أيضاً من يأبه؟!

كذلك استنفر المئات مستنكرين فيديو "مستفز جداً" في الحقيقة عن شابات جامعيات قلن فيه إنهن لا يقبلن الخروج مع شبان سوريين على الرغم من أن الجامعة صوبت في ما بعد المسألة بتبريرات مختلفة منها أن الفيديو أعد كاختبار اجتماعي وأن ما عبرت عنه الفتيات كان مجرد تمثيل للكليشيهات المنتشرة في المجتمع اللبناني.

وبعيداً عن هذا وذاك لم يلتفت أحد إلى عمق الجرح في نسيج الشعبين اللذين يتقاسمان شاء من شاء وأبى من أبى تاريخاً وحضارة وتقاليد فيها الكثير من الشبه.

وإن لم ندخل في الجغرافيا والتاريخ، ففي صباحاتنا الكثير من المشترك وفي كلامنا وأمثالنا الشعبية البسيطة و"أكلاتنا" وموسيقانا، وحتى في أحلامنا البعيدة مشترك يجمعنا.

فما الحاصل إذاً؟

لعل الجواب العلمي الأكيد يتطلب دراسة انثروبلوجية واجتماعية عميقة.

أما الجواب الآخر فنابع من تجربة بسيطة عاشها العديد من اللبنانيين والسوريين. لن نتكلم عن جيل الحرب في لبنان، أما جيل "التسعينات"، فقد عاش احتلالاً سورياً من قبل هذا النظام السوري الحالي وشهد على قمع استخباراتي سوري شاركه الجرم طبعاً عدد من المسؤولين اللبنانيين الذين استفادوا منه وغذّوه. فلم تكن مظاهرة شبابية تنطلق من الجامعات إلا وتقمع.

في المقابل كان نفس الشباب السوري هذا يعيش في بلاده نفس الترهيب ولا يجرؤ حتى على التفكير في النزول بمظاهرة إلى الشارع، وإن فعل أو جاهر بفكرة مثيلة كان يغيب في أقبية النظام.

وبالنتيجة أضحى لدى الشعبين أو جزء كبير منهما غضب دفين، كبت ينتظر الانفجار أصوات مكبوتة... لعله لاقى متنفسه في لبنان بعيد الانسحاب السوري عام ٢٠٠٥، ولا يزال في العديد من الحالات الشاذة يترجم عنصرية ضد لاجئ سوري أجبر على المجيء إلى لبنان. وطبعاً يأتيك "المطبلون" من كل حدب وصوب لصب الزيت على النار.

أما في سوريا فالمسألة تعقدت أكثر..

فبعد سنوات على انطلاق الثورة، لا تزال أعداد القتلى والنازحين واللاجئين تتصدر المشهد المأساوي ألم فوق ألم، وخيبات وتواطؤ وتسويات على دمه، و"نصرة" و"داعش" و"مرتزقة" و"ميليشيات"... وجراح لا تحصى راكمها هذا الشباب الذي حلم يوماً بالحرية.

وأتى انخراط حزب الله في الحرب الدائرة على الأرض السورية ليعمق الجرح أكثر.

وهكذا في كل مرة يعاد خطاب الكراهية ويغذى من قبل البعض كما يضخم من قبل البعض الآخر والجرح ينزف. وهناك من يغني ويزمجر طالبا المزيد والمزيد من "التهييج" ونعيق الغربان..... لكي يكتمل مشهد التشويق ورفع المشاهدات أو حتى اللايكات والتويتات.

بعد هذا المقال قد تعاد همروجة السعار أيضاً أو ربما لن يقرأه أحد... إلا أنني أردته صوتاً مناشداً بوقف السعار...

وختامها كلمة ... أعيش في بلد عربي منذ سنوات صديقتي الوحيدة فيه أنا اللبنانية "المارونية العنصرية"، سورية لنا نفس الأحلام والأهواء والموسيقى هي نفسها التي يوم كنت أنزل في مظاهرات جامعية مطالبة برحيل "السوري" عن لبنان لم أكن أميز بينها وبين نظامها.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.