.
.
.
.

التجريبُ مسلكُ العقُولُ الحرة

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

يقاربُ د. عبدالكريم سروش في كتابه "العقل والحرية"، العلاقة الجدلية بين المجتمع ومفهومي الحق والباطل من جهة، والعقل والحرية من جهة أخرى. حيث كثيراً ما تكون المنظومات المجتمعية ميالة لوضع الكثير من القيود، كي تحافظ على ما تعتبره تناسقاً أو قيماً أو سيرورة تراتبية لأفكارها وطريقة العيش فيها. وهي بذلك تنظر بريبة وقلق تجاه أي شيء من شأنه أن يخلخل هذه المنظومة، أو يدفع نحو تغييرها.

الحرية ومعها العقل، كثيراً ما تتم المحاولة لكبح جماحهما. رغم أن لهما الأصالة في الوجود، بمعنى، أن ماهيتهما غير قابلة لأن تحد، لأن الأصل في كل شيء من الموجودات هو "الحرية". فيما "العقل" المرجع الأول للفرد في تلمسه وتعرفه للأشياء، ومن ثم نظم حياته وفق ما يتعقله ويتفكره.

تقييد الإنسان في حريته وعقله، مرده عدة أسباب، من بينها الرغبة في السيطرة، أو التفرد بالحكم والقرار والقوة، أو في أحسن الأحوال الخوف من شيوع الأفكار "الباطلة"!.

هذا الخوف من "شيوع الباطل"، مرده التفكير الأبوي والوصاية على الفرد والمجتمع. وأيضاً، النظر إلى التجريب بوصفه نوعاً من الوقوع في الخطيئة، وهو ما سيؤدي إلى تلوث الإنسان وفساده.

في هذا الصدد يقول الدكتور سروش "إن العبور بين أكوام الحق والباطل والصواب والخطأ، وأحياناً تمزيق قشور الذهن بأشواك الباطل والوصول إلى ساحة الحقائق الواسعة، أفضل من الجلوس بأمل حصول حالة الشهود والكشف وإشراق بارقة الحق، بدون أن يعيش الإنسان العطش والتحرق والحركة في طلب الحقيقة".

إن الإيمانيات المطلقة تقود العقل إلى الكسل، وتفقد الإنسان روحه، جاعلة إياه في حالة وثوقية رتيبة، خالية من معاني البحث عن المحبوب والحكمة.

من هنا يؤكد سروش على أنه "لا ينبغي الخشية من الخطأ المنهجي الذي يقودنا إلى الصواب، بل ينبغي الخشية من الحق والباطل الاعتباطيين". لأنه "إذا فقد الإنسان التحكيم المنهجي وحصل على الحق أو الباطل أو سار في طريق الصواب والخطأ، فإن كلا هذين الأمرين غير مطلوبين". ويعلل ذلك سروش بقوله إنه "ربما يحل الخطأ محل الصواب، ويلبس المدنس ثياب المقدس. بينما الخطأ المنهجي لا يلحق ضرراً في حركة الإنسان العقلانية".

إن ما نلاحظه من شيوع لمشكلات "التعصب" و"الجهل" و"الكراهية"، مرده في جزء كبير منها هو لـ"الحق والباطل الاعتباطيين"، كون صاحبها يرفض أن يختبر أفكار غيره، ويقف ضدها بعنف، محارباً إياها، وناظراً لها بمزيد من الاحتقار، وكأنها النار التي ستلتهم بستانه!.

إن الوقوع في الخطأ، ليس بالأمر المشين، وليس طريقاً إلى "الدنس". وإنما هو أمر طبيعي في المسيرة البشرية، طالما أن الفرد يعتمر الحكمة ويعمل العقل ويسير ببصيرة نحو هدفه. فالمسيرة مليئة بالفخاخ، وبها حفر مزوقة قد يظنها الكثير جناناً، لكن الفطين من ميز بين التبر والتراب، وهذا لا يتأتى إلا عبر التجريب، والتجريب فقط.

*نقلاً عن "الرياض" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.