.
.
.
.

«مجتمع التحكم»: وصل الأمر إلى الأطفال!

نهلة الشهال

نشر في: آخر تحديث:

تتفاعل في أوروبا وأميركا فضيحة ألعاب الأطفال «الموصولة» كما يسمونها، أي المتصلة بمراكز تتولى تشغيلها وتجمع في الوقت نفسه «الداتا» التي تخضها، كما هي مثلاً الهواتف المحمولة (كلها وليس تلك «الذكية» وحدها)، وإن بتفاوت درجات علاقتها بمراكز تحدد مكانها وتتجسس على تحركات وتصرفات أصحابها وكلامهم، وسوى ذلك، ولو في شكل مختلف، كما هي حال بطاقات البنوك الإلكترونية وبطاقات الاشتراك بالنقل العام الخ.
بل ثمة اليوم تداول ونقاش بخصوص تقنية «الوصل الدائم» عبر شريحة مغروسة تحت جلد الإنسان، تحمل كل معطياته الشخصية وملفه الطبي وتسمح بتعيين مكانه في أي وقت، وربما بعد ذلك ببث إشارات إليه، كما نرى في أفلام الخيال العلمي الكثيرة، وأفلام الروبوتات شبه البشرية. وهي مجدداً ليست «خيالاً» صرفاً، بمعنى أن العمل جار عليها من جهة، وهناك من جهة ثانية تساؤلات حول مدى ارتباط هوليوود بالتخطيط للسياسات المقرَّرة، وبالأخص الكبرى منها، كالحروب وغزو الفضاء والاختراعات الكبرى، تهيئةً للنفوس لها، أو دفعاً باتجاه تأويلها في شكل معين، كما تسييد «قناعات عامة» تبدو حرة بينما هي مفبركة تماماً.
وهذا من دون الوقوع بأي شكل من الأشكال بالتآمرية وسواها من الإيديولوجيات المشابهة. يكفي هنا مثلاً الاطلاع على فيلم (متوافر على النت مجاناً) أنتجته هذا العام الشبكة البريطانية بي بي سي، وهو لآدم كورتيس وعنوانه Hypernormalisation (تطبيع فائق؟) يتناول الحقبة الحالية من تطور المنظومة الرأسمالية، منذ مطلع السبعينات، ثمّ مع قدوم ثاتشر وريغان وما عرف بالنيوليبرالية إلى اليوم، في محاولة لرصد هذا التحكم في القناعات العامة بخصوص أحداث كبرى عرفتها البشرية.
حسناً... ألعاب الأطفال الموضوعة في البيع خلال موسم عيد الميلاد الحالي، ومن بينها دمى، تسجل كل ما يقوله الأطفال لها (وأمامها، ما يشمل سواهم من الموجودين معهم) وترد على أسئلتهم! فين ميرستاد بدأ بإثارة خطورة الأمر، وهو مسؤول الخدمات الرقمية في المجلس النروجي للمستهلكين (هيئة مستقلة)، قائلاً إن هذه الألعاب تشتغل على نظام «بلو توث» كما السماعات الشائعة، ويمكن لأي كان في دائرة بثها أن يتصل بها بواسطة هاتف محمول لو شاء، ما يمكن لعابثين أو متحرشين بالأطفال استغلاله، ويمثل بالتالي خطراً على السلامة يبدو أنه جرى تنبيه الشركة إليه قبل عامين، ووعدت باتخاذ إجراءات تقنية ولم تفعل. وأعلنت 18 جمعية أميركية وأوروبية لحماية الحياة الشخصية، وكذلك «الجمعية الأوروبية للدفاع عن المستهلكين» نيتها إقامة دعاوى لسحب هذه الألعاب أو تغيير طريقة عملها، وتطاول الدعاوى شركة « جينيسيس تويز» في هونغ كونغ التي تقول عن نفسها أنها الأولى عالمياً في صناعة الألعاب الموصولة. وقد ردت الشركة على مخاوف من إمكان استخدام الداتا المجمَّعة لأغراض أمنية أو عسكرية، مؤكدة بأنها تنوي فحسب توظيفها لتطوير ألعابها، وأن الاتصال يتم مع شركة «نيوانس كوميونيكايشنز» المختصة بما يسمى «التعرف على الصوت»، وهذه مُثار حولها شكوك لأنه معروف عنها أنها تبيع معطياتها لوكالات عسكرية وأمنية، علاوة على أن هذا الادعاء بالاهتمام بالتطوير هو «براءة» لا وجود لها في عالم اليوم. فقد خرجت علينا في توقيت واحد مع هذه المسألة وثائق جديدة من ويكيليكس تشير إلى تجسس وكالة الأمن القومي الأميركي ووكالة الاستخبارات البريطانية على كل شيء: حرفياً! وفي الجو كما على الأرض. وهو تجسس طاول الاتصالات الهاتفية لأشخاص عاديين، للملايين منهم معاً وكل الوقت، ومنهم مسافرون على الخطوط الجوية الفرنسية مثلاً، ومنهم من هم في إسرائيل «الصديقة»، بحجة إمكان التعرف المسبق على نوايا إرهابية لدى الناس، وإبطالها.
وقد انضمت شركة «ماتل» العملاقة التي تنتج الدمية باربي الشهيرة إلى الملف بإنتاجها «هالو باربي» المسوّقة حتى الآن في الولايات المتحدة فحسب (وثمنها 75 دولاراً)، والتي تتصل عبر واي فاي أو بلوتوث وتجمع كل الداتا في «الغيمة الفضائية». وتقول الشركة إنها مطمئنة إلى متانة كلمة المرور السرية وإنه لا مجال للعبث بها، ما لا يمنع تحرك أربع جمعيات أميركية ضدها، اعتبرت دمية باربي الجديدة الموصولة تلك مدخلاً لإنقاذها من انخفاض المبيعات لثلاث سنوات متلاحقة. فقد سجلت العام الفائت أقل قليلاً من مليار دولار كمبيعات، «فقط»!
وعلى ذلك، تسوّق هذه الدمى والألعاب لمنتجات تجارية: تقول «كايلا»، الدمية التي تنتجها «جينيسيس» للطفلة «صديقتها» إنها تحب أفلام ديزني، فتكتشف الجمعيات أن ذلك البوح ليس لوجه الله، بل لأن للشركة علاقة تجارية بديزني... وهكذا!
وكان الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز قد حدس بهذا، وبالأخص عند تناوله عمل فيلسوف آخر ركّز اهتمامه على «الرقابة والعقاب»، أي ميشيل فوكو: تغيّرت آليات التحكم والرقابة، فلم تعد تقوم بها «المؤسسات» (المعتادة، كالعائلة والمدرسة والقانون وحتى البوليس...) بل صارت «سائلة». وهو استعار من الروائي الأميركي وليام بورو تعبير «مجتمع التحكم»، ثم جاء مؤلَّف «الإمبرطورية» لنيغري وهارت ليعمق الفكرة. يقول هذا الأخير في محاضرة له: «لم يعد التحكم بالأفراد يتم عبر الحبس وإنما يجري في شكل مستمر واتصال فوري، ووسائل السيطرة تجري في الحقل الاجتماعي وتبث في دماغ وجسد المواطنين». وثمة عامل كان قد ركز عليه دولوز في مسألة التحكم، هو أهمية المعلومة وكيفية معالجتها، وقال إنه في مجتمع التحكم لا يعود لعدد الأفراد ولا لاتساع الفضاء أهمية. ثم خرج مؤلف «ألف باء مجتمع الرقابة» لديفيد فورست، وهو محامٍ مختص بتقنيات المعلومات ضمن حقل العلوم السياسية، والكتاب يعددها شاملاً اختبارات DNA وشرائح RFID المزروعة تحت جلد الحيوانات الأليفة (حتى الآن!)، وكاميرات الرقابة في كل الأماكن، وملفات البوليس، وتحديد الأماكن Geolocalisation (يقال إن شركة «أوبر» مثلاً للتاكسيات تلاحق مواقع وجود زبائنها بصورة دائمة، أو تتمكن من ذلك لو شاءت، وبعد انتهاء مهمة إيصالهم من نقطة إلى أخرى).
ثم وصل الأمر إلى الأطفال. ولم لا، فهم أيضاً مستهلكون (كبار). وهنا أيضاً يلاحظ انخفاض دور العائلة والمدرسة لمصلحة ذلك الشكل المنتشر والمستمر، ووسائطه. وهذا، منذ الطفولة الصغيرة.

*نقلا عن صحيفة "الحياة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.