.
.
.
.

ما بعد داعش

يوسف أبا الخيل

نشر في: آخر تحديث:

لا أحد، في تقديري، يخالف في أن (داعش) تمثل أحد أبشع وجوه الجماعات الإرهابية التي ظهرت على مسرح التاريخ الإسلامي، هذا إن لم تكن أسوأها؛ حتى لقد تفوقت في إجرامها على أسوأ الجماعات الخوارجية القديمة، كالأزارقة والنجدات، وكالحشاشين، أصحاب قلعة (آلموت)، الذين امتهنوا الاغتيالات غدرا، بحق خصومهم، والذين يمكن أن يُعدوا بأنهم أول من استخدم الانتحاريين في تصفية خصومهم.

السؤال: لماذا تتناسل الفرق الإرهابية على مر التاريخ الإسلامي، دون أن يتجاوزها فكر يقطع مع ماضيها، ومع ما تقتات عليه من نصوص وتأويلات؟

من البداية، يجب أن نفرق بين الدين والتدين، وبين الدين والفكر الديني، وبين النص وتأويله. الجماعات الإرهابية على مر التاريخ الإسلامي، ومنها الجماعات المعاصرة، لم تتخذ الدين بذاته سلما لترتقي منه على رقاب الناس، بل إنها استخدمت الفكر الديني، الذي هو محصلة قراءة بشرية للنصوص. وهذه القراءة تتحكم فيها، كما نعلم، محصلة عوامل، يأتي على رأسها السياقات السياسية التي تُقرأ في ظلها النصوص؛ ذلك أن النص, وعلى رأسه القرآن الكريم، حمّال أوجه، كما قال الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه. والأوجه المتعددة التي يؤول النص انطلاقا منها، لا تعدم الطموحات السياسية، سواء للفاعلين السياسيين، أم للفاعلين الاجتماعيين.

أستطيع أن أقول إن الجماعات الإرهابية على مر التاريخ الإسلامي اتكأت، ولما تزل، على مخزون تراثي تكَوَّن من مسيرة تأويلية ممتدة على مدى التاريخ الإسلامي؛ وهذا مفهوم، ولا يشكل خروجا على معطيات التاريخ. لكن المشكلة التي لا تزال تسيطر على المشهد العربي الإسلامي، والتي تشكل الأرضية التي تنطلق منها الجماعات الإرهابية، هي أن ذلك الموروث لم يقرأ بعين ناقدة، تعيد زرعه في سياقات الماضية، وتجعله موقوفا لحسابها. ولقد يجوز القول إن ما أوصد الباب حتى الآن أمام نقد جذري لذلك الموروث الذي يشكل الحاضن الفكري للإرهاب، هو أننا لا نزال نخلط خلطا فاضحا بين الدين في معصوميته، وتأويله البشري غير المعصوم.

التأويل السياسي الذرائعي للنصوص الدينية قد يؤدي إلى عواقب خطيرة للغاية. الخوارج الأول قاتلوا كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار استجابة لتأويل نص ديني. بل إن عبدالرحمن بن ملجم قتل عليا رضي الله وهو يصلي الفجر بالناس استجابة لتأويل نص ديني؛ وإن المحدث المشهور: حريز بن عثمان الرحبي كان يتقرب إلى الله بلعن علي رضي الله عنه استجابة منه لتأويل نص ديني. ومن غرابة استمالة التأويل للنفس البشرية حتى تقع في معاص وجرائر خطيرة، ما ذكره ابن حجر في (تهذيب التهذيب) أنه قيل ليحيى بن صالح: لِمَ لم تكتب عن حريز الرحبي، (أي لم لا تروي عنه الحديث)، فقال: كيف أكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين، فكان لا يخرج من المسجد حتى يلعن عليا سبعين مرة! ويروي الحافظ ابن حجر عن ابن حبان قوله: إن حريزا كان يلعن عليا في الغداة سبعين مرة، وفي العشي سبعين مرة. وحريز هذا لم يكن، وهو يلعن عليا، يعتقد إلا أنه مأجور على فعله، لأنه متأول لنص يقول: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، وقيام علي رضي الله عنه بقبول التحكيم بينه وبين معاوية، خروج على حاكمية الله، كما يراه هو، وكما رآه سلفه الخوارج.

وهكذا الداعشيون اليوم، فهم إذ يفتكون بمن يخالفونهم، ويسبون ذراريهم، ويسملون أعينهم، فهم، في الغالب، يعتقدون أنهم على حق، وأن مخالفيهم على باطل واضح وضوح الشمس، وبالتالي فهم مأجورون على فعلهم.

بالنظر إلى الخلافات الفلسفية حول علاقة الفكر بالواقع؛ حيث ترى الفلسفة المثالية أسبقية الفكر، بينما ترى الفلسفة الماركسية أسبقية الواقع، فإن مسيرة التاريخ تؤكد على أن العلاقة جدلية بينهما؛ فالكفر يؤثر بالواقع ويتأثر به، والعكس صحيح. إلا أن للفكر قفزات تاريخية كبرى يؤثر فيها على الواقع إيجابا، بتحريره من واقعه المرير. الفكر هنا، لكي يرفع من مستوى الواقع، فإنه مجبر على القطع، إيبيستيمولوجيا، مع تأويلات الماضي بإعادة زرع تلك التأويلات في سياقاتها القديمة التي نشأت لحسابها ولخدمتها، ومن ثم التركيز على الحاضر، كسياق له ثوابته ومتغيراته التي تختلف قطعا عن ثوابت ومتغيرات الماضي.

حتى الآن، لم يقفز الفكر العربي الإسلامي تلك القفزة المنتظرة، والتي تقطع تماما مع ما يمت بصلة إلى داعش ومثيلاتها. هذا البقاء القهري ضمن التأويلات الماضوية جعل الفرصة لظهور فصائل إرهابية أمرا سهلا وميسرا. اختفاء داعش من على المسرح السياسي والاجتماعي بات منتظراً، ولكن المشكلة تكمن في أن الأرضية التراثية التي أنتجتها، ثم أمدتها بالدعم اللوجستي المعنوي، لا تزال موجودة، وبالتالي فظهور خليفتها سيكون شبه محتوم، بغض النظر تماماً عن كمية الرفض الاجتماعي والسياسي.

لا بد لأي إصلاح فكري منتظر أن يبدأ من معطى ثابت لا يتغير ولا يتبدل ولا ينتقص، ألا وهو قدسية الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو متمذهب بمذهب ما، أو بما هو منتم لعرق ما، أو لوطن ما. كما لا بد لذلك الفكر الإصلاحي المنتظر منه أن يقطع ما بين حبل السرة التراثي وظهور الجماعات الإرهابية أن ينتصر لحرية التعبير بما هي حق طبيعي للإنسان، لا يحد منها إلا الاعتداء على حرية إنسان آخر.

قبل الإصلاح الفكري، والمناط لحمله أولا وقبل كل شيء، الجامعات ومراكز البحوث بدعم حكومي، لا بد من خطوة استباقية تتمثل في تجريم الطائفية، سواء أكانت على هيئة نبز، أو تندر، أو رمي بنقيصة، أو تكفير؛ ذلك أن تلك الجماعات الإرهابية لما تزل تتسلل لواذاً من باب التناقض المذهبي، الذي يشكل أرضية خصبة لجلب خفافيش الظلام، وشذاذ الآفاق.

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.