.
.
.
.

في وداع صادق جلال العظم

خالص جلبي

نشر في: آخر تحديث:

سمعت خبر رحيل صادق جلال العظم وأنا في مدينة الجديدة المغربية. وقد توفي عن عمر يناهز 82 عاماً بسرطان في الدماغ، وهو الأمر الذي أسميه موت صاحبه بعلته، فجراح الأوعية قد يموت بانفجار أم دم أبهرية، ودكتور الأمعاء قد يموت بسرطان القولون، والآن مفكرنا العظم يهاجمه السرطان في مكان آلته الفكرية الدماغ! إنه أمر، وأنا الطبيب، أقف عنده من دون جواب.

استفدت أنا شخصياً من هذا الرجل مع أنه يساري ماركسي، وكان ذلك وأنا أتصفح كتابه في نقد الفكر الديني في سبعينيات القرن الفائت. لقد مضى وقت طويل على تلك القراءة المعمقة التي ألهمتني لاحقاً أن أكتب كتابي «ضرورة النقد الذاتي للحركات الإسلامية». فأنا أعترف له بقدح ذهني وتحفيز همتي لإنتاج كتابي هذا بعنوانه المثير.

كتابي ذلك جاء بعد كتاب صادق جلال العظم بفترة قصيرة. هو انتقد الفكر الديني كما انتقد الفكر اليساري، وأنا بدوري قمت بنقد الفكر الديني الإسلامي. وقد حورب الرجل في كتابه بل تعرض للسجن والطرد من الجامعة إن لم تخني الذاكرة، لأنه بزعمهم يخلق الفوضى وإثارة أمواج بشعة من الحساسيات الدينية. بالطبع العزف على وتر التقليد يدعو للشخير، ولا جديد فيه، ولكن النقد يشبه الحنظل صعب مذاقه عسير تقبله!

كتابي «ضرورة النقد الذاتي» عرضته على العديد من الشخصيات الإسلامية فلم آخذ جواباً واضحاً، فضلاً عن التشجيع، ولكن الجواب جاء في محاربته في صفوف الحركات المشرقية خاصة، ومن استفاد من كتابي أكثر كان بعض المغاربة، فقد وصلت الحركة الإسلامية في المغرب إلى مفترق طريق. والحجة تقاوم بالحجة ولكن الثقل المادي وقوة أنظمة بعض الجمهوريات العربية يجعلانها لا تفهم منطق الحوار.

هنا علينا أيضاً مراجعة أدبيات الحركة الإسلامية في مصر وسواها التي فرخت لاحقاً «القاعدة» من الظواهري الذي التحق بابن لادن في «تورا بورا»، وقد أفرزت «القاعدة» بدورها «داعش»، التي ستفرخ هي الأخرى لاحقاً ما قد نراه من أنواع الغلاة والمتعصبين العنيفين في العقود القادمة. نحن نعرف من حركات الخوارج أنها صارعت الدولة الأموية حتى النزع الأخير، ولكن تفاحة السلطة الشهية سقطت في النهاية في أيدي بني العباس.

في المغرب فهم البعض طرح فكرة «النقد الذاتي» واستفادوا منها، خاصة في تبني استراتيجية العمل السلمي التدريجي في التحديث والتجديد من دون أي صدام مع السلطة، وهو ما أثمر خيراً كبيراً حتى اليوم، إلى درجة أن البعض يقولون إن كتاب «النقد الذاتي» كان له تأثير بالغ ومحمود النتيجة، وعدد من قرأ كتابي من المغاربة خلق كثير. ومن الملفت للنظر أنها نفس نظرة الكواكبي في طبيعة تغيير الاستبداد بالتحول السلمي التدريجي.

أعود إلى صادق جلال العظم فقد سمعت له محاضرة في مونتريال وهو يقف بجنب الثورة السورية ويشد من أزرها، وكانت له زاوية رؤية مميزة من نافذة يسارية في كيفية فهم التحولات الاجتماعية (أثر البورجوازية السورية).

بالطبع أنا أرى تدمير مدينة حلب من الأسد الابن متذكراً تدمير مدينة حماة من الأب الأسد، موقناً أن التاريخ يدور دورته وأن الطغاة والغزاة والغلاة سيحترقون معاً غير مأسوف عليهم. وأتذكر مقولة غاندي حين أعلن صيامه لوقف القتال في مدينة كلكوتا وهو يقول غارقاً في سكرات الموت: مر على التاريخ الكثير من الطغاة والمجرمين والقتلة ولكنهم انتهوا جميعاً وما بقي في النهاية هو الحب والإنسانية.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.