.
.
.
.

أفضل فرقعة

أمينة خيري

نشر في: آخر تحديث:

يقول مثقفون إن هذا المذيع متسلق. وتقول النخبة إن هذه المذيعة نصابة. ويمتلئ الأثير العنكبوتي بين معتنقي الفكر الثوري والتقديم الديموقراطي بصخب هادر حول هذا المذيع الذي يلقبونه بـ «المخبر» و «الذي لا يتقن سوى الاتصال السري بأمن الدولة والإبلاغ عن زملائه من المعارضين وتقديم القرابين للأمن في سبيل مزيد من ساعات البث الفضائي». وتُختم جلسات المتعلمين في المقاهي الأنيقة بانتقادات لاذعة حول المذيعة الفلانية التي تطبل للرئيس وتنافق الحكومة.

هذا الصخب الهادر الذي يحين موعده في هذه الأيام مع وداع عام فضائي واستقبال آخر حيث استفتاءات واستطلاعات لاختيار الأفضل. وفي كل مرة، تأتي الاختيارات الشعبية (غير الملعوب فيها تكنولوجياً عبر تغيير دفة الاختيارات أو رقمنة عمليات الاختيار الجماعي) مناقضة للتنظيرات النخبوية.

المذيعة التي تنتقدها النخب باعتبارها تسعى وراء الفرقعة وتفبرك مشاهد الجرائم وتقتحم أوكار المخدرات وتجارة الأعضاء الوهمية تأتي على رأس قائمة أفضل الإعلاميات. وتليها المذيعة المثيرة للمقدار الأكبر من الجدل والتي تروج لجلسات إخراج الجان من الأجساد، وتحضير حفلات الزار من أجل العلاج من الأمراض. وها هو المذيع الذي يصفه مثقفون بـ «ثقل الظل» وينعته كتاب بـ «المتلون» و «الآكل على كل الموائد» وينتقده بعضهم لكونه «كئيباً ومحبطاً وداعياً دائماً وأبداً إلى اليأس والقنوط»، يحصل على أكبر عدد من أصوات المشاهدين حيث برنامجه يدق على أوجاع الفقراء ويصور آهات الغلابة ويسلط الأضواء على بؤر الحرمان والفقر والمرض إلى آخر قائمة البؤس والشقاء. ويليه زميله الذي سخر منه أساتذة الإعلام وأكدوا أفول نجمه قبل أن يبزغ أصلاً. لكنه خيب التوقعات، وبزغ نجمه حتى أصبح من أكبر أسماء الـ «توك شو»، ولو كانت نسبة غير قليلة من مشاهدته تجري بدوافع السخرية، ولكن تظل العبرة بقاعدة المشاهدة.

والأكثر إثارة للعجب هو أن اختيار المشاهدين لـ «أفضل برنامج» لم يخرج عن إطار البرامج التي يقدمها هؤلاء ممن تنظر إليهم النخب باعتبارهم دخلاء على الفضائيات وأدعياء إعلام وغير ملمين بقواعد العمل التلفزيوني. حتى البرامج الترفيهية الأفضل بحسب اختيارات المشاهدين هي التي أقام عليها شيوخ النقد التلفزيوني والتقويم الإعلامي حد السطحية والتفاهة. البرامج ذاتها التي حازت أكبر عدد من انتقادات الكتاب والنقاد هي التي اختارها المشاهدون لتكون الأفضل.

تثبت القواعد الجماهيرية أن ما تراه الأفضل لا ينصاع بالضرورة لما يراه المثقفون والنقاد، بل ربما يعمد بعضهم إلى الإصرار على متابعة البرامج والمذيعين الذين يلقون هجوماً من المثقفين والنخب. وربما يكون رداً انتقامياً من سكان الهرم الاجتماعي تجاه من يكبسون على أنفاس القمة باعتبارهم الأعمق علماً وثقافة. وربما يكون اختلاف وجهات نظر. وربما أيضاً يكون مفاتيح نجاح وأسرار فرقعة يملكها المثيرون للجدال وتجهلها النخب.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.