"تاتا جروب".. صراع على السلطة!
ليست مجموعة شركات «تاتا جروب» واحدة من أضخم الشركات في الهند فحسب، بل هي قلعة صناعية وتجارية تحظى بالسمعة الطيبة والاحترام في العالم أجمع. وتتعدد منتجاتها من سلع المستهلك وتتنوع لتشمل قطاعات الطاقة والطيران والعربات والسيارات والفولاذ والكيماويات والقاطرات والاتصالات والفنادق. وهي تعاني منذ شهرين مشكلات معقدة بدأت بإقالة «سايراس مستري» الذي يبلغ 48 عاماً الذي ترأس إدارة المجموعة قبل أربع سنوات خلفاً لرجل الأعمال الشهير «راتان تاتا» في إطار خطة تقضي بتداول السلطة الإدارية. وأدى صراع مرير داخل مجلس إدارة المجموعة إلى طرد «مستري» من كل شركات مجموعة «تاتا» بعد أن اتهم «راتان تاتا» بالتدخل المتواصل في القضايا المتعلقة بالشركة، ومنعه من إغلاق المشاريع والشركات الصغيرة الخاسرة في محاولة منه للإساءة إليه وإظهاره بمظهر «الرئيس الأشبه ببطة عرجاء». ومن خلال رسالة مكتوبة تم تسريبها إلى وسائل الإعلام موجهة إلى مجلس مديري الشركة القابضة «أبناء تاتا»Tata Sons،عرض «مستري» لشكاوى متنوعة تتراوح بين التذمر من أنه لا يمتلك إلا صلاحيات ضئيلة لاتخاذ القرار في قضايا مهمة مثل تطوير العلاقات بين شركتي «أبناء تاتا» وشركة الخطوط الجوية السنغافورية لإطلاق شركة للنقل الجوي الداخلي في الهند تحت اسم «فيستارا»، وعقد صفقة أخرى مع شركة «إير آسيا» الماليزية المتخصصة بالنقل الجوي الرخيص.
ومن الجدير بالإشارة أن التدفقات النقدية التشغيلية لمجموعة «تاتا جروب» تنمو بمعدل متوسط يبلغ 31% سنوياً. وبما يساهم في تقوية وضعيتها المالية. وفي السنة المالية 2015- 2016، بلغ إجمالي عوائد الشركات التابعة للمجموعة أكثر من 103 مليارات دولار. ومن أهم المشاريع التي يعود فضل ابتداعها لـ«راتان تاتا»، مشروع إنتاج السيارة الصغيرة والرخيصة «نانو كار» Nano Car، وهي أرخص سيارة في العالم وتباع في الأسواق بسعر 2000 دولار، وبما يجعل امتلاك السيارات أمراً متيسراً بالنسبة إلى ملايين الهنود.
وتأسست مجموعة «تاتا جروب» قبل 144 عاماً، وهي تضم أكثر من 100 شركة عاملة داخل الهند وخارجها. وكان «راتان تاتا» قد تسلم مهمة إدارة الشركة من عمه «جهانغير تاتا» عام 1991. وخلال العقدين الأخيرين، تمكن من وضع المجموعة على سكّة النمو على خلفية تحرير الاقتصاد الهندي حتى أصبحت تمثل علامة تجارية عالمية من خلال سلسلة من عمليات الاستحواذ على أصول استثمارية أجنبية مهمة، من بينها شركة «تي تيتلي» TeaTetleyالبريطانية (وهي ثاني أشهر الشركات العالمية لصناعة تعليب وتسويق الشاي)، ومجموعة «جاكوار لاند روفر» البريطانية لصناعة السيارات، وغيرها.
وهذا الصراع المرير الذي يدور في أروقة مجلس إدارة المجموعة منذ شهرين، تحول بالفعل إلى مواجهة حاسمة بين الرجلين. وبدأ السجال بينهما عندما أقدم «سيراس» على قطع خطوات جادة لبيع الشركات والمشاريع المتعثرة التي لا تحقق الأرباح، في محاولة منه لاستبعادها من المجموعة العملاقة الأم. ومن بينها مجمّع صناعة الفولاذ في «بورت تالبوت» في المملكة المتحدة الذي يضم أكثر من 15 ألف موظف وعامل من حاملي الجنسية البريطانية، فضلاً عن 35 ألف موظف وعامل في شركة «جاكوار لاند روفر». ونظراً إلى تراجع الطلب على الفولاذ في أوروبا، دخل المركّب في مرحلة الخسارة. ولهذا السبب، بدأت الشركة الهندية عملية بيع أصول مصنع الفولاذ من أجل تجنب المزيد من الخسائر. وعندما قامت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بزيارتها إلى الهند الشهر الماضي، بدأ التفكير بتنفيذ إجراءات عملية عزل «سيراس مستري» عن إدارة المجموعة.
وبات من الواضح أن هذا العداء بين الرجلين يعود إلى فشل خطة التداول على قيادة المجموعة، وهي المشكلة ذاتها التي تواجه معظم الشركات الهندية الأخرى أثناء سعيها للتوسع مع تطور الاقتصاد في البلاد، بدلاً من اعتماد نظام الحوكمة المشتركة. وبعد صدور قرار استبعاد «مستري»، كانت هناك بوادر تشير إلى أنه لن يترك منصبه دون قتال، وقام مؤخراً بفتح ملف قضائي أمام المحكمة الهندية ضد قرار عزله من منصبه كرئيس لمجموعة «تاتا». ويمكن أن يكون لهذا العداء تأثيره في الوضع العام لأنه يتعلق بواحدة من أضخم الشركات في الهند، وهي التي تقود موجة عولمة الشركات الهندية، فضلاً عن الدور الذي تلعبه في دعم الاقتصاد الهندي برمته.
وتستأثر الهند بأسرع وتيرة نمو في العالم بمعدل بلغ 7.6% عن السنة المالية 2015- 2016، إلا أن مشاكل متعددة مثل البيروقراطية الإدارية وصعوبة امتلاك الأراضي وقوانين العمالة التي تعاني الاهتراء، كانت كلها من العوامل المعيقة للنمو واستحداث مناصب العمل الجديدة. وفي بلد يعيش 70% من سكانه في المناطق الريفية، لا يزال نمو العوائد الزراعية هزيلاً وبما يؤدي إلى انخفاض معدلات استهلاك السلع والخدمات ويؤثر سلباً في الاقتصاد. وهناك معوقات أخرى مثل خطة إعادة إصدار عملة جديدة وما نتج عنها من شكوك لدى المستثمرين، بالإضافة إلى تراجع تحويلات الهنود المقيمين في الخارج بشكل كبير، والتوقف شبه التام للاستثمارات الأجنبية بسبب المخاوف من تغيير قوانين التحكم بالنظام المالي.
وفيما يتعلق بمجموعة «تاتا»، فإن هذا العداء المستحكم في أعلى هرم السلطة بين الرجلين، يمكن أن يسيء إلى سمعتها بعد أن كانت تتمتع بسيرة حسنة مشهود بها في أوساط الرأي العام العالمي.
* مدير مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي
* نقلا عن "الاتحاد"