المشهد السياسي والانتخابي عشية تنصيب دونالد ترامب
عندما يدلي الرئيس المنتخب دونالد ترامب قسم اليمين ظهر الجمعة ليصبح رسميا الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، فإنه سيكون الرئيس الأقل شعبية الذي يدخل البيت الأبيض للمرة الأولى منذ حوالي نصف قرن، وأظهرت نتائج استطلاعات للرأي أجرتها مؤسسات إعلامية من بينها صحيفة واشنطن بوست وشبكتا التلفزيون أي بي سي و سي أن أن، أن شعبية ترامب لا تتعدى الأربعين في المئة.
يذكر أن شعبية الرئيس باراك أوباما عندما بدأ ولايته الأولى في يناير 2009 وصلت إلى 79 بالمئة. طبعا، رفض الرئيس المنتخب هذه الأرقام وهاجمها في تغريدة مدعيا أنها معلومات ملفقة، مماثلة للأرقام الملفقة لاستطلاعات الرأي التي أجريت قبل الانتخابات. هذه لوحة واحدة في مشهد سياسي معقد يزداد تعقيدا مع اقتراب استلام ترامب لصلاحياته الدستورية.
وفي الأيام والأسابيع الأخيرة شنّ ترامب سلسلة من الهجمات المقلقة ضد أهداف داخلية وخارجية مختلفة، ووجد نفسه أكثر من أي وقت مضى في موقع دفاعي محرج، وهو يراقب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومساعديه وهم يدافعون عنه ضد "الأخبار الملفقة" الهادفة إلى تقويض شرعيته، كما قال الرئيس بوتين.
الأمر الآخر المقلق هو أنه مع عشية تنصيب ترامب، لم يصوت مجلس الشيوخ على أي من الوزراء والمسؤولين البارزين الذين عينهم الرئيس المنتخب لملء المناصب الأساسية في الحكومة، بسبب تأخره ومساعديه في التعيينات، في ما اعتبره مراقبون إحدى أسوأ عمليات انتقال للسلطة في واشنطن منذ عقود. وهناك قلق في الأوساط المعنية بشؤون الأمن القومي من احتمال استلام ترامب لصلاحياته، قبل أن يصدّق مجلس الشيوخ على الأقل على وزرائه المعنيين بالأمن القومي مثل وزراء الدفاع والأمن القومي والخارجية، إضافة الى مدير وكالة الاستخبارات المركزية (السي آي ايه).
وحتى قبل دخوله إلى البيت الأبيض بدا ترامب وكأنه لا يريد أن يستثني أحدا من هجماته: داخليا ركز ترامب انتقاداته القاسية ضد جميع أجهزة الاستخبارات الأميركية، حيث أشار ضمنا إلى أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية (جون برينين) هو المسؤول عن تسريب ملف وضعه مسؤول سابق في الاستخبارات البريطانية لصالح خصوم ترامب خلال الحملة الانتخابية، يفترض أن يتضمن معلومات محرجة وإباحية لترامب خلال زيارات سابقة لموسكو إضافة إلى تلقيه لمساعدات مالية من روسيا خلال الحملة الانتخابية. طبعا سارع ترامب الى إصدار نفي قاطع صاحبه هجوم أشرس ضد الاستخبارات الأميركية. وفي خطوة غير مسبوقة، انتقد برينين ترامب بحدة ودافع بحرارة عن موظفي الاستخبارات، وذكره بأن السي آي ايه خسرت في تاريخها 117 عميلا قتلوا خلال خدمتهم.
الهجوم الآخر الذي واصله ترامب في الأسبوع المنصرم هو استهداف وسائل الإعلام الأميركية التقليدية والتشكيك بصدقيتها، إضافة الى التلميح باحتمال نقل مراسلي البيت الأبيض من مكاتبهم الصغيرة ونقل قاعة المؤتمرات الصحفية اليومية للناطق باسم البيت الأبيض من المبنى ذاته الى مبنى مجاور، وذلك في محاولة واضحة للضغط على وسائل الإعلام التقليدية التي يريد ترامب تحييدها من خلال السماح لمواقع إلكترونية يمينية أو مدونين متشددين بحضور الإيجازات الصحفية في البيت الأبيض كمحاولة لإضفاء صفة الشرعية على هذه المواقع.
ولكن أخطر ما قام به الرئيس المنتخب في الأيام التي سبقت تنصيبه يوم الجمعة، كان في الهجوم القاسي الذي شنه ضد حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الاوروبي، وثنائه على القرار "العظيم" الذي اتخذته بريطانيا حين قررت الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. مواقف ترامب هذه جاءت خلال مقابلة أجراها مع صحيفة ذي تايمز اللندنية، وبيلد الالمانية يوم الأحد الماضي. وكرر ترامب موقفه السلبي من الناتو مثل قوله إن الزمن قد عفا على حلف قديم لم يثبت جدارته في مكافحة الإرهاب، متناسيا، أو جاهلا لحقيقة أن الحلف عقب هجمات سبتمبر 2001 أعلن أن هذه الهجمات بمثابة هجمات استهدفت جميع أعضائه، الأمر الذي أدى الى نشر آلاف الجنود من جيوش الناتو في أفغانستان لمساعدة الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان. ترامب قال بكل بساطة أنه غير معني بمستقبل أو قوة الاتحاد الأوروبي، متوقعا انسحاب دول أخرى منه.
وتميزت المقابلة بموقف ترامب الفاتر للغاية من المستشارة الألمانية انجيلا ميركل التي ادعى ترامب أنها ارتكبت "خطأ كارثيا" حين سمحت لحوالي مليون لاجئ سوري بدخول ألمانيا. وفي مقابلة أخرى مع صحيفة وال ستريت جورنال قال ترامب إنه سيعيد النظر بسياسة واشنطن تجاه الصين، وهي السياسة المعتمدة من قبل جميع رؤساء أميركا منذ عقد السبعينات في القرن السابق، أي الاعتراف فقط بالصين، بعد سحب الاعتراف بجزيرة تايوان. وهكذا، وعبر تغريداته ومقابلاته، هدد ترامب قبل تنصيبه بتقويض أو حتى نسف جميع المؤسسات والتحالفات والمبادئ التي بنتها أو اعتمدتها واشنطن منذ انتصارها وحلفائها في الحرب العالمية الثانية: أي حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وتشجيع مبادئ الديموقراطية الليبرالية واحترام القانون الدولي. (وكان من اللافت أن ترامب خلال مقابلته مع الصحيفتين الأوروبيتين، ذّكر بأن دعواته السابقة لإنشاء مناطق آمنة في سوريا ومشيرا إلى أنها مبنية على فرضية أن دول الخليج العربية يجب أن تمول إقامة هذه المناطق). وليس من المبالغة القول إن مواقف ترامب وبوتين السلبية من مستقبل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وحتى مستقبل المستشارة ميركل متشابهة إن لم تكن متطابقة.
وللمرة الأولى في تاريخ العلاقات الأميركية-الأوروبية سوف يتم تنصيب رئيس أميركي تخشاه دول أوروبا وتحديدا ألمانيا وفرنسا، بينما تحتفل به موسكو كصديق ساهم حتى قبل دخوله إلى البيت الأبيض في خلق شرخ عميق مع الحلفاء الأوروبيين، وتسبب بخلق خلافات عميقة بين المؤسسات الأميركية، حيث نجح فلاديمير بوتين بفرض روسيا كطرف في السجال السياسي الأميركي الداخلي، وهو إنجاز لا أحد يعلم الآن ما هي مضاعفاته البعيدة المدى.