أفغانستان وخطر التدخلات الخارجية

د.عبد الله المدني
د.عبد الله المدني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

«اللي اختشوا ماتوا» مثل مصري متداول منذ القرن التاسع عشر، ويـُطلق على الذين لا يخجلون في أقوالهم وأفعالهم، إلى درجة يصح معه القول إن الأشخاص الذين كانوا يخجلون ويحترمون أنفسهم قد ماتوا ولم يبق منهم أحد.

هذا المثل ينطبق اليوم على جماعة «طالبان» التي ارتكبت من الحماقات والأعمال المشينة بحق الإنسان الأفغاني ما يندى له الجبين خلال فترة حكمها الأسود لأفغانستان التي امتدت من عام 1996 إلى عام 2001، سواء لجهة كبت الحريات وتحريم السفر والعمل والتعليم والرسم والتصوير والغناء والموسيقى وحلق اللحية وارتداء الملابس الغربية والاستماع إلى الراديو ومشاهدة الأفلام وغيرها، أو لجهة استخدام العقوبات الوحشية بحق المخالفين من تلك التي تراوحت ما بين الجلد والرجم في الساحات العامة والإعدام رمياً بالرصاص، ودفن الأحياء تحت التراب، أو لجهة توفير الملاذ الآمن والدعم لحركات إرهابية متطرفة كتنظيم «القاعدة» تحديداً.


المثير للسخرية هو أن حركة «طالبان» نفسها طالبت المجتمع الدولي مؤخراً، باسم حقوق الإنسان، أن يرفع أسماء بعض قادتها من القوائم الدولية السوداء، كي تتاح لهم حرية السفر والتنقل، بل اعتبرت أن تحقيق هذا المطلب سيساهم في عودة السلام إلى أفغانستان، و«يعزز الأمن والاستقرار اللذان تنعم بهما المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة»، المتمردة على حكومة كابول المعترف بها دولياً بحسب سهيل شاهين الذي يترأس مكتب «طالبان» في الدوحة، وهو مكتب افتتح في العاصمة القطرية في عام 2013 ليعمل كقناة لمفاوضات تفضي إلى سلام دائم وشامل في أفغانستان، لكنه لم يحقق أي نجاح.
أما الأمر الأكثر سخرية، فهو أن باكستان والصين وروسيا الاتحادية - وكلها دول ساهمت بطريقة أو بأخرى في صناعة الأزمة الأفغانية في فترات مختلفة- تبنت مقترح حركة «طالبان» هذا، وذلك في محاولة لتبرئة ساحتها، بدلاً من أن تصر بكين وموسكو (على الأقل) على مطاردة قادة الحركة والقبض عليهم والإتيان بهم إلى «الجنائية الدولية» لمحاكمتهم مثلما تمت محاكمة قادة دول أخرى ربما لم يرتكبوا بحق شعوبهم ربع ما ارتكبه «الطالبانيون» من جرائم بحق الإنسان الأفغاني المعذب، خصوصاً أن الصينيين والروس لهم ثارات معروفة مع «الطالبانيين».

لكن يبدو أن السياسة وتحالفاتها فرضت نفسها على المشهد، فجعلت موسكو وبكين تنسيان الماضي وتتبنيان المطلب «الطالباني»، بدعم ومؤازرة من إسلام آباد المعروفة بطموحاتها وتدخلاتها في الشأن الأفغاني منذ القدم، لنجد أنفسنا أمام تحالف صيني ــ روسي ــ باكستاني في مواجهة محور نيودلهي ــ كابول ــ واشنطن. والمعروف أن هناك سباقاً وتنافساً قوياً ما بين الهند وعدوتها اللدودة باكستان للظفر بعلاقات استراتيجية متينة مع نظام الرئيس الأفغاني «أشرف غني» تجلت مظاهره في المؤتمر الدولي الذي انعقد مؤخراً في «أرميتسار» الهندية حول سياسات الرعاية الاجتماعية الكفيلة بإخراج أفغانستان من سنوات من التشدد والتطرف والإرهاب، ففي هذا المؤتمر، الذي جاء ضمن سلسة مؤتمرات «قلب آسيا» الهادفة إلى إعادة تعمير أفغانستان وتعزيز أمنها من خلال التعاون بين القوى الدولية والقوى الإقليمية في جنوب آسيا وغربها ووسطها، شن «أشرف غني» هجوماً لاذعاً على إسلام آباد وحملها مسؤولية شن حرب غير معلنة على بلاده عبر دعم الإرهاب «الطالباني»، كما رفض عرضاً باكستانياً بتقديم مساعدة بقيمة 500 مليون دولار، قائلاً: (أنصح باكستان باستخدام المبلغ في احتواء التطرف والعنف الموجه لنا»، ومستشهداً بما ورد على لسان الزعيم «الطالباني» الملا رحمت الله كاكازادة من أنه «لولا قيام باكستان بتوفير الملجأ والملاذ لنا لما تمكنا من الصمود لشهر واحد». كرر أشرف غني هذا الكلام في مقابلة صحفية أجرتها معه صحيفة الشرق الأوسط في التاسع من يناير الجاري.

في الوقت نفسه أشاد الرئيس الأفغاني بالهند، وما تقدمه لبلاده من مساعدات شفافة والتزامات بتحقيق السلام والرفاه للشعب الأفغاني. وبقدر ما أسعدت هذه الإشادة رئيس الحكومة الهندية «ناريندرا مودي»، الذي مثل بلاده في المؤتمر المذكور، الذي حضرته 21 دولة تحت صفة «الدول الداعمة»، فإنها أغضبت وأحرجت ممثلي باكستان وحليفتها الصينية، وجاء العمل الإرهابي الأخير في ولاية قندهار والذي قضى فيه مجموعة من الدبلوماسيين الإماراتيين المسؤولين عن ملف تقديم المساعدات الإنسانية للشعب الأفغاني ليفضح أدواراً خارجية قذرة في أفغانستان ودور من يسهلون توتير الأوضاع في هذا البلد المنهك أصلاً، فقد أكد عضو البرلمان الأفغاني الحاج مولوي محمدي، في حديث له إلى صحيفة الشرق الأوسط (13/1/2017) وجود تدخلات في الشؤون الأفغانية من دول الجوار، ووجود دعم مباشر وسخي من طهران للجماعات الأفغانية المذهبية والمتمردة، مشيراً إلى اجتماع ثلاثي عقد في موسكو بين إيران وروسيا وباكستان حول أفغانستان دون مشاركة الأخيرة.

نقلاً عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط