.
.
.
.

الخيط الأسود في البيت الأبيض!

تركي الدخيل

نشر في: آخر تحديث:

مع كل موجة الاحتجاج، والصراخ في القنوات والإعلام، وتصاعد المكائن اليسارية المناوئة لفوز ترمب، تم تنصيب الرئيس بمراسم مكتملة، وبحضور الموالين والمنافسين. كلمة ترمب هي برنامجه العملي، واحتوت على ثلاث نقاط مهمة؛ أولاها شعار «أميركا أولاً»، ويشرحه بأن ثمة انحسارًا، لدعم قوى أخرى على حساب أميركا، لكأنه يشير هنا إلى حلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، ويعتبر دعم الجيوش الأخرى لن يكون على حساب الجيش الأميركي.

النقطة الثانية تتعلق بالإرهاب، الذي يريد أن يمحوه من على وجه الأرض، بالتعاون مع الدول والقوى الكبرى بالعالم، بينما النقطة الثالثة تتعلق بالحضارات الأخرى التي يريد ترمب أن تتضامن ضد الحضارة التي تدعم الإرهاب، وهذه الجملة صارت موضع إشكال لدى المحللين السياسيين... هل يفرق ترمب بين الإرهاب الذي يمارسه بعض المسلمين، وبين الإسلام نفسه ديانةً وشريعةً؟!

من المبكر الإجابة عن مثل هذا النوع من الأسئلة الجوهرية لرجل بدأ أيامه الأولى في الحكم. ثمة تطور نوعي لدى ترمب، يتفوق فيه على أوباما بالإشارات المتكررة في حواراته للإرهاب المدعوم من إيران، وهنا يشير إلى حزب الله.

كلمة ترمب عن «أميركا أولاً» تعيدنا إلى التنبؤات الثمانية التي قامت بها مجموعة من خبراء مجالس المستقبل العالمية، تعقيبًا على مؤتمر دافوس: لن يعود هناك منتجات بل جهات تقدم خدمات، دول العالم ستدفع مبالغ مقابل غاز الكربون المنبعث منها... لا مزيد من المستشفيات، والمزيد من العيادات المنزلية... اللحوم لن تسود وجبات غذائنا... مديرو المستقبل هم اللاجئون السوريون اليوم... سنكون على أهبة الاستعداد للانتقال للعيش بالمريخ... تحول المبادئ التي نشأت عليها الأمم الغربية... وآخر التنبؤات أن أميركا لن تكون سيدة العالم، بل ستتقاسم معها في إدارته دول أخرى مثل اليابان والهند. هذه ملامح للعصر المقبل، الانسحاب الأميركي من قضايا العالم أخذ بالتصاعد في عهد أوباما، لكنه لن يعاود مع ترمب حالة التدخل المستمر، أو التحفز للمعارك والحروب، أو الدفاع عن المضطهدين كما حدث في العقد الأخير من القرن العشرين في البلقان.

معظم التحليلات تصطف بين تيارين؛ إما متفائل مفرط، يظن أن ترمب سيكون رئيسًا يقضي طوال يومه بمناقشة قضايا العرب، وشؤون الشرق الأوسط، وآخر يعتبر ترمب عدوًا عنصريًا أبيض، يرى في المسلمين الشر، ويضمر للعرب الاحتقار والكراهية، والواقع أن القصة أبسط من ذلك الاصطفاف، ترمب رجل أعمال، تركيبته العقلية والذهنية قائمة على المصلحة، وقد أتى بها في خطابه، فالعلاقات مع الدول لن تكون مبنيةً إلا على عاملٍ واحد، هو المصلحة الحقيقية للولايات المتحدة، وبالتالي قد تنجح شراكتنا معه في حال بحثنا على مستوى الخليج أو دول الاعتدال عن المشتركات التي يمكن الانطلاق منها لبناء مستقبل أكثر تفاعلاً بين الإدارة الأميركية الحالية وقوى الاعتدال العربي والإسلامي.

حين نُصّب أوباما، رُفعت الأكف، واشرأبت الأعناق، وذُرفت الدموع، خطابه في شيكاغو كان ملء السمع والبصر، لكن يا للخذلان، تبين فيما بعد أنه عازم على هجران دول الاعتدال، حاملاً حقائبه إلى إيران وكوبا، متناسيًا تاريخ الولايات المتحدة وثقلها، حتى وصفه الأكاديمي الراحل فؤاد عجمي بـ«الشخص الميئوس منه»، وعليه فإن التقييم السريع لإدارة ستحكم أعظم وأقوى وأغنى دولة على وجه الأرض لن يكون بالأمر الحصيف، حتى تستبين الأقوال من الأفعال، ويتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، في البيت الأبيض.

«أميركا أولاً» شعار ترمب، رسالة للعالم، محور العلاقة مع أميركا هي المصلحة، لا أكثر، ولا أقل.

ترمب ليس ملاكًا... ولا شيطانًا، إنه رئيس مُحكم بمؤسسات، بدلالة عودته لمغازلة «CIA»، في ثاني يوم من ولايته، بعد أن كان هاجمها في الانتخابات... مُحكم بدساتير وترسانة من المستشارين، إنه رئيس استثنائي في مرحلة حرجة ليس لها مثيل في العصر الحديث.

*نقلا عن الشرق الأوسط

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.