ترمب رئيساً
خلال أسبوعه الأول في البيت الأبيض، أثبت الرئيس دونالد ترمب بإجراءاته وقراراته الرئاسية العديدة، إضافة إلى تصريحاته وتغريداته، أنه يعتزم تنفيذ وعوده خلال الحملة الانتخابية، والأهم من ذلك أثبت بوضوح لا لبس فيه أنه لا يتصرف كرئيس عادي، ولا يبالي بتحدي الأعراف والتقاليد. كما أكد بتصرفاته ومواقفه لمنتقديه الكثر أنه سيحكم بشكل أوتوقراطي ومزاجي، وأن هوسه بوسائل الاتصال الاجتماعي، ومراقبة البرامج الحوارية التلفزيونية – على شبكته المفضلة فوكس- والتي تعطيه مادة غنية لتغريداته، أنه لن يتغير ولن يعدل من مواقفه. نرجسية ترمب الصارخة كما بدت في رد فعله الشرس على مختلف التقارير والإحصائيات الموضوعية التي أظهرت أن الجمهور الذي حضر حفل تنصيبه هو أقل من نصف الجمهور الذي شارك في تنصيب الرئيس السابق أوباما في 2009 أظهرت أنه يرى في ذلك محاولة من خصومه للتشكيك بشرعيته.
وخلال أقل من أسبوع، وفي سلسلة من القرارات التنفيذية التي صيغت بسرعة فائقة، قام ترمب باستخدام توقيعه كسيف حاد ليمزق به القرارات التنفيذية التي اتخذها أوباما، وفرض القرارات التمهيدية لإلغاء القوانين التي أقرها الكونغرس خلال ولايتي أوباما، وأبرزها قانون الضمان الصحي المعروف باسم "أوباماكير". وإضافة إلى ذلك وقع ترمب على قرارات تنفيذية لانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية التجارة الحرة في المحيط الهادئ، ووقف التوظيف في الأجهزة والمؤسسات الفيدرالية (باستثناء القوات المسلحة) ووقف المساعدات المالية للمستشفيات والعيادات خارج الولايات المتحدة التي تتم فيها عمليات إجهاض، وإعادة فتح العروض لاستئناف بناء خط أنابيت ضخم من كندا عبر الولايات المتحدة لتصدير الطاقة الكندية من المرافئ الأميركية في ولاية لويزيانا الواقعة على خليج المكسيك. وآخر قراراته الهامة كانت تلك المتعلقة بالهجرة، وبناء جدار على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، وهو ربما أهم وعد ألزم نفسه به منذ أن بدأ حملته الانتخابية. وأمر ترمب باتخاذ إجراءات قاسية لمنع وصول المهاجرين غير الموثقين لأميركا، واعتقال وترحيل كل أجنبي لا يملك أوراق هجرة شرعية وترحيله. ترمب الذي جعل من عدائه للهجرة بشكل عام وهجرة الأميركيين اللاتينيين والمسلمين بالتحديد، نقطة محورية في سياسته، يريد في أيامه الأولى في البيت الأبيض طمأنة أنصاره بأنه فور وصوله إلى البيت الأبيض سيبدأ بالعمل لخدمة مصالحهم. وكان من اللافت أن ترمب سيتحدى تقليدا أميركيا هاما تقوم من خلاله مدن أميركية تعرف بـ"مدن الملجأ" ومن بينها واشنطن ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو وغيرها بالترحيب باللاجئين غير الموثقين وتوفير الخدمات التعليمية والطبية لهم.
ومن المتوقع أن يتخذ ترمب في الأيام المقبلة إجراءات أقسى باسم مكافحة الإرهاب تحد من هجرة اللاجئين أو الرعايا الذين لديهم تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة من سوريا والعراق وليبيا والسودان واليمن الكبير. وحتى قبل فرض أي إجراءات جديدة يواجه رعايا هذه الدول صعوبات ضخمة قبل حصولهم على تأشيرات دخول. وكشفت مطبوعات أميركية أن ترمب سيوقع خلال الأيام المقبلة على مراسيم تشمل مراجعة إمكانية إعادة فتح السجون السرية التي أدارتها السي آي إيه في دول أوروبية وإسلامية، حيث كان يتم فيها استجواب أفراد تنظيمات إرهابية، أو أفراد مشتبه بضلوعهم بالإرهاب واستخدام وسائل ضغط (تعذيب)، من بينها أسلوب الإيحاء بالغرق. وكان الرئيس أوباما قد أغلق هذه السجون، ولاحقا حرّم الكونغرس استخدام هذه الأساليب، معتبرا الإيحاء بالغرق نوعا من التعذيب.
إجراءات ترمب هذه تهدف إلى تقويض قرارات وسياسات سلفه أوباما. وحتى الآن لا يواجه ترمب أي معارضة جدية، فالديمقراطيون ضعفاء لأنهم تحولوا إلى حزب أقلية ليس فقط في مجلسي الشيوخ والنواب، بل أيضاً في حاكمية معظم الولايات. الجمهوريون الذين عارضوا ترمب وسخروا منه خلال الانتخابات الحزبية سارعوا مع استثناءات قليلة (جون ماكين وليندزي غراهام في مجلس الشيوخ) إلى الاصطفاف خلفه، على الأقل مؤقتاً. ولكن إذا اعتمد ترمب سياسات تتعارض مع المسلمات الجمهورية، وهذا أمر شبه حتمي، لأن ترمب ينطلق من مواقف و"مزاجات" شخصية وليس عقائدية، عندها سنرى ترمب في مواجهة مع قادة حزبه في الكونغرس.
أسلوب حكم ترمب في أسبوعه الأول، طرح العديد من الأسئلة، وأبرز بعض المخاوف. وهذه هي المرة الأولى التي ينتخب فيها رئيس لا يتصرف وفقا لأي قواعد معروفة أو مفهومة سلفا. وترمب هو أول رئيس خرج من "ثقافة" تلفزيون الواقع، التي جعلته مهووسا بالتأييد الشعبي أو Ratings أولا لبرنامجه التلفزيوني، والآن لأدائه كرئيس. وترمب هو أول رئيس يريد أن يملك ويسيطر على وسيلته الإعلامية الخاصة، أي حسابه على تويتر وفيسبوك وإنستغرام، وسائل الاتصال هذه تجعله قادرا خلال لحظات على إيصال صوته واهتماماته وإحباطاته وغضبه مباشرة إلى عشرات الملايين من المتابعين لحساباته. وحتى الآن يرفض ترمب التخلي عن هذه الوسائل. وإصراره على التغريد الصباحي، أصبح الآن جزءا من الفولكلور السياسي في واشنطن، حيث يسارع الصحافيون والمحللون وأعضاء الكونغرس، وحتى المسؤولون في حكومة ترمب إلى محالة تفسير ما يقصده الرئيس بكلمات قليلة حول قضايا معقدة للغاية. لا أحد يعلم بأي يقين ما الذي سيفعله ترمب لواشنطن، وقلائل الذين يراهنون على أن واشنطن ستغيره كما غيرت أسلافه، ولكن كل ما نستطيع أن نقوله في بداية حقبة ترمب، هو أنه سيقوم بنفض الكثير من مسلمات هذه المدينة وتقاليدها، وإن أثر تغييراته سوف يكون عميقا، ولكن ليس بالضرورة جيدا.