.
.
.
.

عدنان وتملق الشيعة والانحياز الجارف إليهم... و«نقده التحتاني»

علي العميم

نشر في: آخر تحديث:

في واقعة مشهودة حصلت بين الشيخ المغربي السلفي محمد الفزازي والناشط العراقي في مجال حقوق الإنسان عبدالحسين شعبان على قناة (الجزيرة) في برنامج (الاتجاه المعاكس)، قام الأخير -ليرد على كبير أساقفة كانتربري بأنه تتوافر حرية تغيير الدين في الإسلام- بقراءة آية من القرآن، فقاطعه الشيخ أثناء قراءته أول الآية، سائلاً: في أي سورة هذه؟ أجابه عبدالحسين، وكان يهم بإكمال قراءتها: في سورة (الرمز) الآية (41) فنفى الفزازي مستنكراً لا يوجد في القرآن الكريم سورة (الرمز). عبد الحسين كان يترجاه أن يدعه يكمل قراءة الآية، والشيخ مستمر في مقاطعته، مؤكداً له: أن سورة (الرمز) لا توجد في القرآن على الإطلاق.

بعض ما حصل في تلك الواقعة، سيحصل بيني وبين قليل العلم عدنان إبراهيم.

بمقتضى أسلوب أن كل ما عندكم -أي الغرب- هو بعض ما عندنا نحن المسلمين قال عدنان: شيء عجيب فقبل المدارس الفرنسية في النقد، كان لدينا في تاريخ أصول الفقه، الخلاف العالي (أو الفوقي) والخلاف النازل.

الخلاف النازل -كما شرحه- هو الخلاف داخل المذهب، كالخلافات في المذهب الحنبلي والخلافات في المذهب المالكي إلخ... وضرب مثالاً لذلك بما جمعه المرداوي في كتابه (الإنصاف) من الخلافات داخل المذهب الحنبلي وأضاف: أن كل الخلافات داخل المذهب الحنبلي مقررة على أصول المذهب. الخلاف العالي -كما شرحه- هو الخلاف بين مذهب ومذهب. بين المالكي والحنفي، بين الحنفي والشافعي، بين الشافعي والإمامي، بين الإمامي والإباضي، بين الإباضي والزيدي. وهكذا هلم جرّاً. وأضاف: المبادئ والمعايير التي يحتكم إليها عند إدارة الخلاف العالي -هي قطعاً- ليست المبادئ والمعايير التي يحتكم إليها عند إدارة الخلاف النازل. فالخلاف النازل يتخرّج معظمه، إذا كان صحيحاً على أصول الإمام. الشيء نفسه في المدرسة الفرنسية، فهناك النقد التحتاني والنقد الفوقاني. سأقاطعه كما فعل الشيخ الفزازي -أو بالأحرى سأقطع هذا النص في خطبته إلى نصفين- وأقول له مثل ما قال الشيخ النزاوي- عفواً أقصد الشيخ الفزازي، فالنزاوي كان شيخاً تونسياً معنياً بالأورتيكا السلطانية الاجتماعية السمحة في زمنه، وهو من دون تعريف مسهب صاحب كتاب: الروض العاطر- لعبدالحسين: لا يوجد في علم أصول الفقه ولا في أي من العلوم الدينية الإسلامية شيء اسمه الخلاف العالي (أو الفوقي) والخلاف النازل. والنقد التحتاني والنقد الفوقاني لا يوجدان فيها لا اسماً ولا مضموناً. وكل هذه المسميات لا توجد في تلك العلوم على الإطلاق.

إني أجد لعبدالحسين شعبان عذراً حينما خلط بين سورة (الزمر) وسورة (الرمز) التي استحدثها عفو الخاطر في تلك الواقعة المشهودة، فالرجل حديث عهد بأسماء سور القرآن، مع أنه ولد في أسرة دينية نجفية يتوارث أسلافها منصب رئيس الخدم في الروضة الحيدرية (أو حضرة الإمام علي) في الحرم العلوي منذ قرون. فلقد كان صاحبنا نهباً للشيوعية التي ساخ فيها كثيراً وهو في سن المراهقة. وكان حسّونه -هكذا كان يدعى حينما كان في ذلك السن- مشغولاً عن قراءة القرآن بتوزيع المنشورات الشيوعية بين المحلات التجارية والمدارس والمصالح الحكومية في النجف. وليته في تلك الواقعة المشهودة أحال إلى رقم السورة مثلما فعل في الإحالة إلى رقم الآية، من دون أن يروط نفسه بقراءة الآية.

مما يشفع لعبدالحسين في ذلك الخلط وفي قراءته لكلمتين في الآية قراءة خاطئة، بسبب نقله الخاطئ لهما من المصحف إلى الورقة التي كان يقرأ منها (كلمة أنزلنا كتبها نزّلنا، وكلمة ضَلَّ كتبها أَضَلْ، وقراءته لكلمة بطريقة تحرفها عن معناها.. كلمة يَضِلُّ قرأها يَظَلْ)، أقول يشفع له في كل ذلك أنه يتصف بالأدب والدماثة والتهذيب، فهو مشهود له بذلك من رفاقه ومن خصومه الحزبيين إبّان شيوعيته التي وخطه الشيب وهو مقيم فيها وإبِّان إيمانه المتأخر بحقوق الإنسان التي كان يراها قبلاً من ترهات الفكر البرجوازي وأحابيله. عدنان إبراهيم ليس بمثل براءة صاحبنا وعفويته في الخطأ الذي ارتكبه، وإنما هو مدلس. والمصدر الذي استمد منه التدليس علم في ما يبدو أنه مستغرق فيه منذ شبابه، وهو علم أصول الحديث. وعلم الحديث الذي يضم هذا العلم -بالمناسبة- هو العلم الوحيد الذي يعرفه عدنان جيداً. إن أقرب اصطلاح، من حيث التسمية، للذي كذب بشأنه هو الإسناد العالي والإسناد النازل في علم أصول الحديث (علم مصطلح الحديث). الإسناد العالي هو الذي قل عدد رجاله وطبقات سنده من الراوي إلى المروي عنه، بالنسبة إلى سند آخر يرد به ذلك الحديث بعدد أكبر. والإسناد النازل هو الذي كثر عدد رجاله بالنسبة إلى سند آخر يرد به ذلك الحديث بعدد أقل.

أما النقد العالي (أو الأعلى) Higher Criticism أو بتعبير آخر النقد الكتابي أو التفسير التاريخي النقدي، فهو من مدارس النقد الأدبي. وقد رأت هذه المدرسة أن منهجها هو الأداة الناجعة في الوقوف على أسرار العمل الأدبي، وكان ذروة صعودها في منتصف القرن التاسع عشر، مع كتابي: (حياة يسوع) لديفيد فردريك شتراوس وأرنست رينان. والكتابان يحملان العنوان نفسه. الكتاب الأول ظهر في سنة 1953، والكتاب الآخر ظهر في سنة 1963.

وهذا النقد في بدايته كان موجهاً ومكرساً لنقد العهد القديم (التوراة) بدافع من النزعة اللاّسامية (معاداة اليهود)، مع ظهور الفلسفة العرقية في الفكر الغربي وبزوغ تيار مناوئ للتراث المسيحي اليهودي. ثم انتقل النقد إلى نقد العهد الجديد (الأناجيل). والكتابان اللذان ذكرناهما يمثلان أوج ما بلغه النقد العالي أو النقد الكتابي (نقد الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد).

هناك سببان آخران كان وراء ظهور النقد العالي، هما: تقدم العلم وتطوره بمختلف فروعه، وتبعاً لذلك تأثر نقاد الأدب بالأسلوب العلمي فدرسوا الأعمال الأدبية الكلاسيكية وفق هذا الأسلوب الذي يختلف عن الأسلوب الأدبي. وأفضى هذا النهج إلى اتباع اللاهوتيين (أو الثيولوجيين) الأسلوب العلمي في دراسة الكتاب المقدس.

أصحاب هذا النقد تعاملوا مع الكتب المقدسة بوصفها نصاً أدبياً لا نصاً علمياً وتاريخياً وتشريعياً. وفي تعاملهم معها على هذا النحو نزعوا عنها القداسة وغدت مثل أي أثر مكتوب خلّفه بشر. وكان من بين آثار هذا النقد إعادة النظر في نشأة الدين وتكونه. فأدرجت نشأته ضمن سياق تاريخي تطوري.

يقابل هذا النقد النقد الأدنى Criticism lower. وترجمه بعضهم إلى العربية بعبارة النقد الأوّلي أو اللفظي. وهذا النقد سبق النقد العالي بالظهور. ورجال الدين المسيحي والمؤمنون المسيحيون يثمنون هذا النقد ويعتبرونه نقداً بناءً وإيجابياً. لأنه ينطلق من الاعتراف بصحة الكتب المقدسة وصحة ما جاء فيها من المعجزات والخوارق في حين يرفضون النقد العالي ويعدونه نقداً هدمياً وتخريبياً، يهيمن عليه الملاحدة وأعداء المسيحية والمناوئين لسلطة الكنيسة. وفي حدود اطلاعي لا يوجد اصطلاح علمي أو فكري أو اجتماعي أو أدبي... إلخ، اسمه النقد الفوقاني والنقد التحتاني، وإنما يوجد، من حيث تشابه -إلى حد ما- كلمتان فيه، نقد البنية الفوقية ونقد البنية التحتية. والبنية الفوقية والبنية التحتية اصطلاحان أساسيان في الفلسفة الماركسية يختلف معناهما كلياً عن معنى النقد العالي والنقد الأدنى المستعملين في دراسة الكتاب المقدس. نكمل ما قطعناه من نص خطبة عدنان. يقول في النصف الأخير منه: «كل الأصوليات تمارس نقداً من تحت، أي نقداً تحتانياً ولكنها لا تعرف النقد الفوقاني. وسأنزّل هذا على الحالة الأصولية في واقع المسلمين... النقد التحتاني هو أن تأتي طائفة أو جماعة أو حزب أو تنظيم معين ويمارس النقد على نفسه لكن ضمن مبادئه وثوابته ومعاييره. يتغيا [في هذا النقد] مصلحة الطائفة الضيقة فقط التي تتعارض مع مصلحة العموم، عموم الدولة وعموم الأمة وعموم الدين وعموم الوطن. وحتى هذا النقد التحتاني الذي يمارس بعضه حسنو النية [الذين] يحبون الإصلاح واللملمة يفعلونه تحتانياً ضمن الطائفة. أنا أقول لهم لن تصبحوا كباراً. أنتم قطعتم من رؤوس الهيدرا -هذا الكائن الخرافي اللعين- رأسين وبقيت منها ثمانية رؤوس داخل المذهب. وستعيد بدل الرأسين عشرين رأساً، وستصارعون الهيدرا إلى ما لا نهاية... الذي نحتاجه أن نمارس بل نتمهّر ونتدرب على النقد الفوقاني أو النقد العالي بلغة الأصوليين [نسبة إلى أصول الفقه]. [ما هو] النقد العالي؟».

يجيب عن سؤاله هذا بقوله: «[النقد العالي] أن أنتقد حتى طائفتي. يقول ريجيس دوبرييه: إن التنوير الحقيقي ليس أن تنتقد الآخرين حتى وإن كانوا مخطئين. [من الضروري] أن أنتقد الخطأ أينما وجد لكن الشطارة -لكي تصبح منوراً، مصلحاً حقيقياً، مبشراً بالنور في هذا الظلام الدامس الطامس- أن تنتقد ذاتك. تنتقد طائفتك. تنتقد مذهبك. تنتقد جماعتك. كنت دائماً أردد -ولا أزال- أنني كسني [عندما] أنتقد الشيعة وأنتقد الإباضية، [فهذه] ليست بطولة، [إذ] يفعل هذا كل سني حين يريد. أنا كسني... أنتقد نفسي. أنتقد أخطائي وتجاوزاتي وفي الوقت عينه أنشد وأناشد أخي الشيعي: أنت أيضاً افعل هذا داخل طائفتك. انتقد نفسك لكن ليس [نقداً] تحتانياً. [فغاية النقد التحتاني] الإصلاح الداخلي، مصالح الطائفة، مصالح أبناء الطائفة أو المذهب أو الحزب أو الحركة. نحن يجب أن نمارس نقداً فوقانياً. المعايير التي يحتكم إليها والمبادئ التي نترسمها في عملية النقد [هذه] معايير أعم. ما هي المعايير الأعم في القضية الدينية؟ [هي] الإسلام. هذه المسألة مسألة بسيطة وواضحة وهي ليست تنويرية بل إنقاذية. يمكن أن تنقذ أمتنا من اللعنات التي حاقت بها لكنها مباشرة تجهض في أول خطوة بالمزاج الأصولي. تعرف لماذا؟ لأن الأصولي سيقول لك: ما المشكلة؟ أنا لا أظن ثمة فاصلة، مسافة بين طائفتي والإسلام. نحن الصورة النقية للإسلام. نحن الترجمة المطابقة والدقيقة للإسلام. عدنا مرة أخرى إلى إطلاق النسبي».

لن أتعرض بالنقاش للاضطراب والتناقض اللذين حصلا في كلامه هذا مع ما قاله في السابق. ولن أتعرض بالنقاش للخلط والتخليط والأخطاء الواردة في كلامه هذا، لأني إن فعلت هذا فسيستغرق النقاش أعمدة وأعمدة في هذه الصفحة، إذ إن كل سطر من هذا النصف الأخير مكتظ بكل ما عددته، وسأقصر النقاش على فكرة رئيسية هي خاطئة عنده. سببها الأول أنه ينطلق من مجرى ضيق. هو فكر الصحوة. والذي ينطلق من هذا المجرى ويرتكز عليه، ليس عنده سعة من العلم بمسارب الفكر العربي والإسلامي الحديث، ولا بتاريخه عند الشيعة وعند السنة. وسببها الآخر انحيازه الجارف للشيعة. وانحيازه هذا لا يخلو من سذاجة وضحالة.

ثمة حقيقة يجب أن تقال هي أن تحديث الفكر الديني بدأ في الإسلام السني في أواخر القرن التاسع عشر، وكانت البداية في الهند ثم في مصر، واستمرت جهود التحديث طوال القرن الماضي، ويجب أن يقال -أيضاَ- إن تحديث الفكر الديني تأخر ظهوره في الإسلام الشيعي. وكان ضعيفاً طوال القرن الماضي، وإنه لا يقارن -من حيث الكم والنوع والاتساع والاستمرارية والجرأة- بتحديث الفكر الديني في الإسلام السني. وبما يخص النقد العالي، صحيح أن المسلمين السنة العصريين منذ انطلاق عملية تحديث الفكر الديني في أواخر ذلك القرن تحاشوا لموانع دينية أن يتعاملوا مع القرآن بمثل ما تعامل المسيحيون مع الكتاب المقدس بتعريضه لدراسات علمية تمت الاستفادة فيها من مناهج العلوم الاجتماعية الإنسانية، كعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الألسنة وعلم الفينومينولوجيا وعلم الهرمينوبطيقيا لكنهم -على الأقل- تعاملوا بروح نقدية مع المرجع الثاني للإسلام، وأعني به الحديث النبوي. وكان من تداعيات هذه الروح وآثارها أن نشأ في القارة الهندية تيار يسمى بتيار إنكار السنة. ونشأ في مصر اتجاه مثله لدى بعض المثقفين المعنيين بالمسألة الدينية، وإن لم يكن بالقوة والانتشار كالتي كانت له لي الهند، ويسمى أصحاب هذا الاتجاه بالقرآنيين.

وإذا كان من آثار النقد العالي في الثقافة الغربية إنكار بتولية مريم قبل الحبل وفي أثناء الولادة وبعد الولادة، فإنه وجد بين المسلمين السنة العصريين من أنكر الولادة البتولية لعيسى بن مريم وعلى رأسهم السير سيد أحمد. كما أنكرت هذه المدرسة التي هي في تسمية أخرى، المدرسة الإسلامية العقلانية، الوجود المادي للجن، ولجأوا في إنكارهم هذا إلى تأويلات تبرر ما ذهبوا إليه.

ثمة محاولة لتطبيق النقد العالي وهي التي أقدم عليها محمد أحمد خلف الله في رسالته الجامعية (الفن القصصي في القرآن - 1947) التي رفضت من جامعة فؤاد (جامعة القاهرة حالياً) بسبب اعتراض بعض أساتذة الأدب في الجامعة عليها. هذه الرسالة الجامعية في بعض ما ذهبت إليه اتكأت على آراء لمحمد عبده ورشيد رضا في تفسير القرآن الكريم. مجمل القول إنه يتوفر في الإسلام السني منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى الوقت الحاضر تراث نقدي ضخم للمذهب في مجالات متعددة: عقائده، أسسه وأركانه، تاريخه السياسي، علومه الدينية، مؤسساته وتاريخها، أئمته وعلماؤه ورجال الدين وتاريخهم، زعماؤه السياسيون...يتوفر عند متدينيه وعلمانييه، ويتوفر في تراثه الحديث، تحرر فكري، مغامرات ومجازفات فكرية إزاء المسألة الدينية، ثورة على المعتقدات الشعبية والخرافات... إلخ. ولا نجد ما يشبه ذلك أو حتى يدنو منه في الإسلام الشيعي، لا نجده عند الهيئة الدينية ولا عند العلمانيين المعتدلين ولا الراديكاليين.

مكانة الأئمة في الإسلام الشيعي توازي مكانة الحديث في الإسلام السني، أو هي -للدقة- تفوقها. لأن الإئمة في الإسلام الشيعي معصومون وهم فوق البشر. أما الحديث في الإسلام السني ففيه داخل المذهب تفصيل وهو -أيضاً- عرضة للنقد. ولو فتشنا في تراث الإسلام الشيعي عن اجتهادات تحررية عرّضت عصمة الأئمة للمساءلة والمراجعة والنقد منذ نشأة الفكر الإسلامي الحديث، في إيران والعراق ولبنان والقارة الهندية وأفغانستان ودول الخليج والسعودية، فإننا لن نعثر على كتابات وأقوال يعتد بها. وسنلقى أن الاجتهادات اليتيمة والمتعثرة والخجولة التي حاولت ذلك، سرعان ما أجهز عليها وقضي عليها قضاءً مبرما.

المثير للعجب أنك ترى الشيعة الدينيين والعلمانيين الشيعة من أمد بعيد إلى يومنا هذا، يحتفون بكتابات العلمانيين السنة الراديكاليين، المتقدمين والمتأخرين والحاليين، وبخاصة الذين تعرضوا والذين يتعرضون لنقد ما هو خاص في مذهبهم السني، ولا يتنبهون أنهم ينفقون على تحرريتهم هذه من كيس مذهب هم خصومه وألداؤه، ويطبخون في قدره ويستعملون أوانيه ومطبخه. فيا لأريحية وسخاء تحرريتهم وعلمانيتهم التي لم تكلفهم عبئاً مادياً، ولا خاضوا في سبيلها صراعاً عقلياً ومعاناة روحية. ربما لأنهم يلجأون إلى هذه الوسيلة السهلة -أقول بهذا التعليل متهكماً- بقي ما هو خاص في الإسلام الشيعي، نظيفاً من مساءلتهم ومراجعتهم ونقدهم، نظافة تخطف أبصار عوامهم وخواصهم، مدينهم وعلمانيهم.

وربما كانت تلك الوسيلة السهلة -أقول بهذا التعليل مرة أخرى متهكما- وراء جمود الإسلام الشيعي ويباسه على فهم تقليدي أثري عتيق لفكره الديني، ووراء احتلال النزعة الأصولية -الأصولية هنا بمعناها المحدث والمعاصر- رقعة واسعة من خارطة هذا الفهم، التي وفدت إليه الأصولية من تنظيرات سنيين كالمودودي والندوي وسيد قطب واستجاب الإسلام الشيعي لها وتأثر بها لأنها قد لَقِمَتْ من بعض طعام مذهبه وتَعِبَّتْ من بعض مائه، وعرضت لهم إسلامهم العتيق في أوانٍ وأقداح جديدة.

في لقاء مفتوح مع عدنان إبراهيم سئل عن النقد التاريخي، فأحال إلى بعض الكتب في هذا الموضوع، وتكلم عن النقد الداخلي والنقد الخارجي. وفي أعلاه تحدثنا عن النقد العالي، وهو الموضوع الذي أوضحنا أنه لا يعرف فيه شيئاً سوى اسمه. وسأورد مثالاً من كلامه يبين أن حديثه عن النقد التاريخي وعن مستويين فيه: النقد الداخلي والنقد الخارجي، وأن اشارته إلى أن المسلمين قصّروا في النقد الداخلي مجرد ثرثرة. وهذا المثال الذي سأورده يدعم أكثر من رأي أطلقته في هذا المقال.

سأله الزميل أحمد العرفج في إحدى حلقات برنامج (صحوة) عن مأخذ من مآخذ السنة على الشيعة، وهو سبهم للصحابة. فقال عدنان: للأسف أن هذا يحدث من بعض الشيعة لكن لا نستطيع أن نقول إن كل الشيعة يسبون، يوجد من الشيعة أعلام أفاضل كبار ومجتهدون لا يسبون، وإنما ينتقدون. ينتقدوون حتى الشيخين لكن باحترام. فيقولون الخليفة الأول ويضعون بين قوسين اختصار (رض) ويقولون الخليفة الثاني ويضعون اختصار (رض) ومعنى هذا الاختصار رضي الله عنه. وضرب مثلاً لهؤلاء بمحمد باقر الصدر وعبدالحسين شرف الدين. وقال عن الأخير: عبدالحسين شرف الدين صاحب كتاب المراجعات والفصول المهمة (يقصد كتابه: الفصول المهمة في تأليف الأمة). يترحّم، ويقول الصديق أبوبكر. ويقول سار في أثره أوفي سنّته الصالحون من بعده. له عبارات جميلة في التعبير عن الشيخين مثلاً. لا يهمني من هذا المثال ما حواه من كلام غير صحيح. فسب الصحابة ركن أساسي في المعتقد الشيعي، وإنما يهمني فيه استناده إلى كتاب (المراجعات) لعبدالحسين شرف الدين. وهذا الكتاب قائم على أسئلة وجهها شيخ الأزهر سليم البشري (1827 - 1917) إلى عبدالحسين شرف الدين (1872 - 1957) عن فحوى المذهب الشيعي. وقد اتفقا أن يوجه الأول الأسئلة ويحرر الأخير الأجوبة عبر مراسلات بينهما، وذلك بعد اجتماعات حصلت في أثناء زيارة الأخير لمصر سنة (1911).

وبعد عودة الأخير إلى بلده إلى لبنان في تلك السنة بدأت المراسلات وانتهت سنة (1912). وقد استغرقت من المدة ما يبلغ نصف السنة.

هذا الكتاب إذا أخضعناه إلى وسائل النقد الأوّلي الذي يقابل النقد العالي وإلى أدوات النقد الداخلي والنقد الخارجي، سنعرف أن ما نسب إلى سليم البشري فيه من مراسلات ومن أسئلة ومن استصغار لنفسه، كذب مفضوح وتزوير فاضح. إن أسوأ استشهاد أتى به عدنان للدفاع عن قضيته هو استدلاله بهذا الكتاب. وذلك أن هذا الكتاب يقلب دفاعه عن قضيته رأساً على عقب.

هذا الكتاب هو نص إدانة أخلاقية لصاحبه عبدالحسين شرف الدين. ويمثل إدانة لعلماء الشيعة الذي يدرسونه في الحوزات الدينية في العراق وايران ولبنان، ولسنوات طويلة طبعوا منه آلاف النسخ بغرض تبشير السنة ودعوتهم إلى التشيع.

في حدود اطلاعي لم أقرأ لعلماني شيعي أو باحث كلاسيكي شيعي معني بالتحقيق، كتابة تفصيلية أو مجملة أو إشارة خاطفة، توضح بأن الكتاب يقوم على حكاية مخترعة وكلام ملفق. مع أن هذا الاختراع والتلفيق جلي من الصفحات الأولى في الكتاب.

لو أن عالماً دينياً سنياً -مهما علا مقامه وشأنه- صنع مثل ما صنع عبدالحسين شرف الدين، لبادرت الهيئة الدينية والذين هم من خارجها إلى كشف سوء ما صنع وأدانوا فعلته. وحكمي-للدقة الموضوعية- هذا لا ينسحب على «الإخوان المسلمون» وإسلاميي السنة، فإنهم في هذا الشأن وفي شؤون أخرى ألصقوا بالشيعة منهم بالسنة. وفي هذا الشأن لهم سوابق عديدة إلى الأكاذيب والتلفيقات والتزاوير.

المخزي والمشين أن المؤرخ طارق البشري الذي لا يذكر -في الغالب- الشيعة اسمه إلا مصحوباً باسم جده ولا يذكر اسم جده إلا ويشار إلى اسمه، لم ينبس ببنت شفة حول تلك القضية المخترعة والشائنة، مع أن جده -الذي يفخر به كثيراً ويفخر أكثر أنه تربى في بيته- قُدم في ذلك الكتاب، بصورة السائل المستخذي المستذل الخاضع الخانع -وهو الشيخ الطاعن في السن- لرجل لم يغادر بعد سن الشباب، إذ إن عمر ذلك الرجل كان يناهز الأربعين، وأعني به عبدالحسين شرف الدين. ولا أعتقد أن هذا التقديم لطارق البشري ولجده الذي يقدمهما به الشيعة تقديم غير مشرف. إن هذا التقديم (التبشيري) بجده وبه، جداً مخزي ومشين.

قبل ما يزيد على ست سنوات بقليل علق كاتب جريدة (النهار) جهاد الزين على مقابلة أجراها هو مع شيخ الأزهر أحمد الطيب بمقال، تحدث فيه بغنائية رومانسية عن عبدالحسين شرف الدين وعن سليم البشري -الذي عرّف به، أنه جد القاضي طارق البشري- ثم راح يطري ويثني على الكتاب الفضيحة، كتاب المراجعات.

سأخصص مقالة عن تلك الغنائية الرومانسية التي كتبها الليبرالي حالياً، واليساري في ما مضى، والشيعي دائماً جهاد الزين وعن ذلك الكتاب الفضيحة "المراجعات" في أقرب فرصة سانحة مقالة نقدية مفصلة، أو سيكون النقاش ضمن إطار قضية أكبر وهي: صعوبة أن يكون العلماني الشيعي مثقفاً نقدياً إزاء ما هو خاص بالمذهب الشيعي.

لعلي في سلسلة المقالات هذه، عن عدنان إبراهيم أوقفت القارئ الكريم على أن بضاعة الرجل بضاعة متحذلق متلعثم في المواضيع والقضايا التي يتنطح لها دون استعداد منهجي وعدة علمية كافية، تخوله الحديث فيها.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.