أمن أفغانستان بعد تفجير قندهار
يمسك العنف وعدم الاستقرار والتمرد بتلابيب أفغانستان منذ عقود لكن استشهاد خمسة دبلوماسيين من الإمارات العربية المتحدة في وقت سابق من الشهر الجاري في تفجير وقع في إقليم قندهار كشف عن اتجاه جديد في غمرة دلائل على تدهور الوضع الأمني في هذه البلاد التي تمزقها الحروب. فقد استشهد الدبلوماسيون الذين كانوا يؤدون مهاماً في تنفيذ مشروعات إنسانية وتعليمية وتنموية في هذه البلاد الفقيرة في عمل إجرامي وحشي استهدف فيه إرهابيون مكتب حاكم الإقليم. وانفجرت القنبلة التي يُعتقد أنها زُرعت في أريكة أثناء زيارة وفد دبلوماسي من الإمارات لحاكم إقليم قندهار «همايون عزيز» لمناقشة الوسائل والسبل التي تدعم الشعب الأفغاني المسلم لتقليص معاناته اليومية. ونجا السفير الإماراتي الذي كان بين أفراد الوفد من الهجوم الذي قُتل فيه ما لا يقل عن 13 شخصاً.
ومن المعلوم جيداً، أن الإمارات العربية المتحدة كانت في مقدمة الداعمين لوحدة واستقرار أفغانستان، منذ أن ألحق المجاهدون الأفغان الهزيمة بالاتحاد السوفييتي السابق. وبعد خروج القوات السوفييتية من البلاد تخلى المجتمع الدولي عن أفغانستان التي مزقتها الحرب مما ترك فجوة كبيرة في أمنها. وهذا أدى إلى أوضاع نشأ فيها التناحر بين الفصائل المختلفة من المجاهدين الأفغان للاستيلاء على السلطة وحكم البلاد مما فاقم من تعاسة الشعب الأفغاني. وكانت الإمارات العربية من بين عدد قليل من الدول التي اعترفت بحكومة «طالبان» السابقة في تسعينيات القرن الماضي لا لشيء إلا لأن هذه الحكومة حققت السلم والأمان والأمن والاستقرار للبلاد. لكن أبو ظبي قررت قطع علاقاتها مع «طالبان» بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة عام 2001 بعدما اتضح أن «طالبان» تدعم وتحمي العقول المدبرة في تنظيم «القاعدة» وغيرهم من المجرمين المتشددين. وهذا لأن الإمارات وقيادتها حرصت دوماً على التصدي بقوة، مع دول إسلامية معتدلة أخرى، للإرهاب والتطرف والتشدد الديني.
ورغم أن «طالبان» أنكرت ضلوعها في هذا الهجوم الجبان على مواطنين إماراتيين، واتهمت أفراداً متورطين في «تنافس محلي داخلي» لكن إنكارها رفضته قوات الأمن الأفغانية. وأعلن قائد شرطة قندهار الجنرال عبدالرازق دون مواربة أن «شبكة حقاني» التابعة لطالبان وأجهزة الاستخبارات الباكستانية ضالعون في الحادث. ومن المعروف جيداً أيضاً أن زعماء «شبكة حقاني» يحظون بملاذ آمن تقدمه إليهم وكالات الأمن الباكستانية، وأن هذا من أسباب تدهور العلاقات بين باكستان وأفغانستان. وكابول تتهم القيادة العسكرية الباكستانية بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات للتصدي للجماعات الإرهابية الأفغانية.
ويوضح مقتل الدبلوماسيين المشكلات والتحديات التي ما زالت تواجه أفغانستان. وتأثير عدم الاستقرار في أفغانستان لن يقتصر على المنطقة فحسب بل يتجاوزها. والهجوم على دبلوماسيي بلد إسلامي، لم يتوان قط عن تقديم المساعدات الإنسانية في وقت الشدة إلى أفغانستان ودشن برامج المساعدة لإعادة بناء المدارس والجامعات والمستشفيات في أفغانستان، يمثل انحداراً جديداً وتفاقماً للمشكلات. وبينما سعت «طالبان» إلى تشتيت التركيز عليها بإلقاء اللائمة في الهجوم وقتل الدبلوماسيين على جماعات الإرهاب المحلية، فإن ما حدث ألقى الضوء من جديد على ضرورة التعامل الجاد مع الإرهابيين في البلاد. فما زال الإرهاب يتصاعد في أفغانستان ولا يوجد ما يدل على أن المشكلات التي تواجه البلاد سيجري حسمها في وقت قريب. وإحدى الصعوبات التي تواجهها السلطات الأفغانية في التعامل مع الإرهاب تتمثل في أن هذه الجماعات الإرهابية بعد ارتكابها الجرائم تنسحب إلى ملاذات آمنة في منطقة الحدود مع باكستان لتعيد تنظيم صفوفها وتدبر لأعمال أخرى. وعجزت قوات الأمن الأفغانية عن اختراق هذه الملاذات. ولطالما اعتبرت باكستان داعماً لـ«طالبان» الأفغانية واتهمت الحكومة الأفغانية إسلام آباد بإيوائهم.
وما زالت أفغانستان تعاني العنف وعدم الاستقرار في ظل تمرد «طالبان» واختراق قيادات «القاعدة» في ثوب مقاتلي «داعش» للبلاد، وما زال الحل يتمثل في مواصلة دعم قوات الأمن والحكومة الأفغانيتين. ومن الواضح أن هذا هو الاتجاه الذي تسير فيه الإمارات العربية حتى بعد الهجوم على أفراد من بعثتها الدبلوماسية واستشهادهم حين أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة أن «قوى الشر» لن تعرقل الإمارات عن «العطاء والخير». وتعهدت الإمارات العربية بتقديم 250 مليون دولار للمساعدة في إعادة بناء أفغانستان وتدعم المشروعات التنموية التي تتضمن إسكان الأرامل وأصحاب الاحتياجات الخاصة. ومن الواضح أيضاً أن هذا هو الطريق الملائم لمساعدة أفغانستان التي لا يرى شعبها بارقة أمل في نهاية النفق ليتخلص من مشكلاته ويعود إلى الحياة الطبيعية. ولا شك في أن السلام في أفغانستان لا يمكن أن يسود دون تعاون نشط من باكستان. ويتعين على باكستان اتخاذ خطوات على الفور لاستخدام نفوذها مع الجماعات الإرهابية مثل شبكة «حقاني» لوقف مثل هذه المذابح إذا كانت تريد الحفاظ على علاقاتها الدبلوماسية بدول عربية وإسلامية مهمة مثل الإمارات العربية المتحدة.
* نقلا عن "الاتحاد"